التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٦ - ماهي القيم الحق؟
النفوس، والذي هم بمثابة تيار متدفق من نور القيم الالهية يمد القلوب الواعية بالاشعاع لحظة بلحظة.
وبالرغم من ان عصور التخلف فصلت المسلمين عن التدبر في القرآن والانفتاح على اياته، التي هي ركائز مجدهم ووقود حضارتهم، ولكنه- مع كل ذلك الجفاء- لايزال يمنحهم البصائر والهدى، فهو عيبة نور الله، وينبوع معارفه، وكنز علمه، بلى الكارثة العظمى انما وقعت علينا، عندما فصل العقل عن القرآن، فرسب ضمير الانسان في اوحال الخرافة والشهوة، واصبح كتاب الله مهجورا بين اهله، لانه لم يتل حق تلاوته. وانما احتجب الانسان عنه بالافكار التي حملت اياته تحميلا، وتفسيرات كلفت تكلفا مبينا.
ولو اهتدى العقل بالكتاب، وقرأ الكتاب بالعقل، وتجرد الانسان عن مسبقاته ورواسبه، وعاد غضا نضرا يستقبل ايات الذكر ببراءة الطفل الوديع، وبوعي الواله العاشق للحقيقة، وبروح المتبتل الطاهر من الريب والشك والعقد اذا لتميز في وعي الانسان، العقل عن الهوى، والضمير عن الشهوات، والوجدان عن العقد، ولكان ذلك العقل نوره الذي يكتشف به الحق عن الباطل في كل شئ.
ماهي القيم الحق؟
لو درجنا على الكلمات القرانية، لقلنا- بدل القيم- الحكم، ولكانت هذه الحكم حلقة في سلسلة قبلها الهدى والبصائر، وبعدها الشرعة والمنهاج والحدود والاحكام. [١]
وفي مناسبة اخرى نرجو التوفيق لبيان كلمات القرآن هذه التي فيها ايحاءات مفيدة، اما هنا فنستمر على التعبير بالقيم استعارة من الادب الحديث والكلمات الدارجة فيه، فما هي القيم هذه؟
انها كيان رصين هرمي الشكل في قمته يتجلى نور التوحيد، ومن ثم اسماء الله الحسنى، وبعدها يأتي دور الايمان كصلة بين الحق والخلق، ومن الايمان تجري روافد القيم، تعالوا- اذا- نتأمل في ابعاد الايمان ونتسأل ماهو حقيقته؟ وقبل الاجابة
[١] - بحول الله وبمشيئته النافذة سوف نتحدث في الجزء الثالث من الكتاب عن روح الشريعة ومقاصدها مما يتيح لنا فرصة تفسير هذه الكلمات.