التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٩ - الشريعة بين الحروف والحقائق
حقيقية بالله سبحانه، وانما كان عملا ظاهرا بعيدا عن سائر الواجبات التي تشكل بمجموعها روح الشريعة الغراء.
والملاحظ ان التضخم لا يكون عادة عند هؤلاء في القضايا العامة التي تحتاج الى تزكية النفس، والايثار، والجهاد، بل في الامور الثانوية التي لا تكلف جهدا ولا تشكل عليهم خطرا.
مثلا: لقد احل الله الطيبات من الرزق، ولكن حرم وشدد في تحريم ما يفرق ابناء المجتمع عن بعضه، مثل التنابذ بالالقاب، والتجسس، وسوء الظن والغيبة، ولكن الناس استهانوا بهذه المحرمات رغم تأكيد الوحي على النهي عنها، بينما اهتموا بالمحرمات حتى اضافوا الى قائمتها بعض الطيبات وهكذا قال الله سبحانه:
(يا ايها الذين امنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ولاتجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا ايحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله ان الله تواب رحيم يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير). [١]
وبعد هاتين الايتين يصعقنا السياق بآية بالغة الشدة، حيث يقول ربنا سبحانه:
(قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم، وان تطيعوا الله ورسوله لايلتكم من اعمالكم شيئا ان الله غفور رحيم). [٢]
الا تجد علاقة بين هذه الايات الثلاث؟ الايهدينا سياقها المشترك الى ان تجاوز العصبية القومية والفئوية وسائر الحواجز التي تفرق بين ابناء البشر هو مقياس الايمان الحق، وليس الادعاء بالايمان ادعاء فارغا، وهكذا نعرف ان الاهتمام بهذا الجانب هو دليل الايمان وهو روح الاسلام، وليس تحريم الطيبات من الرزق و الاهتمام بكلمات التلاوة ورسوم العبادة فقط.
وفي سورة النور وعند بيان قصة الافك، واشاعة الاراجيف التي تمزق وحدة المجتمع، او تضعف ولاءه لقيادته، يقول ربنا سبحانه:
[١] - الحجرات/ ١٢- ١٣
[٢] - الحجرات/ ١٤