التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٣ - شروط حجية الامارة
مثلا: ظواهر الكتاب حجة. و الدليل الشرعي على ذلك اننا امرنا شرعا باتباع القرآن كقوله سبحانه: (افلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها)
(لو اعتبرنا هذا النص نصا صريحا) ولكن هذا النص لم يؤسس منهجا جديدا في التفاهم ولم ينشئ دليلا مختلفا عن الادلة العقلائية، انما امضى الدليل العقلائي في الاخذ بظاهر الكلام، فلا يفهم منه شيئا مختلفا عما يتعارف عليه العقلاء في محاوراتهم فيكون محدودا بشروطهم، مثلا العقلاء يرون ان حجية الظاهر مخصوصة بما اذا كان المتحدث ملتفتا وكان في مقام البيان، ولم يترك قرينة مخالفة وما اشبه فهل نفهم من هذا الدليل الشرعي اكثر مما يتعارف عليه العقلاء، لوكان كذلك لكان الامر بحاجة الى مزيد من البيان و هذا معدوم، بل مجرد وجود الاحتمال في حدود الحجية فيما يتصل بالشروط اللبية يكفي دليلا على عدمه، لان الحجة يجب ان تكون في مستوى رفيع يمكن الاحتجاج بها عند الخصومه، ومع وجود الاحتمال المضاد لايستحسن من الحكيم الاعتماد عليها.
ومن هنا قلنا: ان شرط حجية الامارات اني كانت قوتها، هي بعث الثقة في النفس عند العقلاء فلو انعدمت هذه الثقة فانها ليست بحجة ..
وانما نركز ابدا على الثقة العقلائية لان الحالة الفردية ليست معيارا، اليس الفرد يتعرض لظروف مختلفة من الشك و اليقين و الحب و البغض، بينما العقلاء، اذا اخذوا بصفة عامة معيارا، تقل نسبة تعرضهم لذلك، و بما ان نور العقل واحد، فان ما يعرفه هذا الانسان لابد ان يعرفه كل انسان.
ثم ان كثيرا من الادلة جاءت لفصل الخصوصات وتحديد المعايير، و لذلك لابد ان تكون ذات صفة عمومية.
وباختصار: حجية الامارات ليست مطلقة، و انما ينبغي تقييمها في كل موضوع من موضوعات الفقه، وكل حكم جزئي من احكامه. وذلك ضمن سلسلة من الملابسات التي تتصل بمحتوى الدليل. وبالقرائن المحيطة، وبالادلة الاخرى، وهذا مانجده عند كبار فقهائنا رضوان الله تعالى عليهم حيث تراهم في الفقه يتركون- كثيرا- القواعد التي اسسوها في علم الاصول، ويدرسون كل واقعة ضمن تلك السلسلة من الملابسات، انهم لايقيدون انفسهم بالقوالب الجاهزة، انما يطلقون لفكرهم العنان، ليصل الى الحقائق من دون حجب او عقبات.