غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٦٨٥ - في البداء
البداء
محالا لما أمكن شيء من ذلك؛لأنّ ما جرى به قلم لا يتغيّر أصلا،فهذا معناه
نسبة العجز إلى اللّه أن يغيّر ما جرى به قلم التقدير،تعالى عن ذلك علوّا
كبيرا.
و بالجملة:ففي البداء بهذا المعنى إثبات إحاطة اللّه حدوثا و بقاء بجميع
الممكنات فافهم و تأمّل،كما أنّ إنكار هذا المعنى من العامّة العمياء نسبة
للعجز إلى اللّه تعالى بقاء مع أنّ الأخبار عن أهل البيت عليهم السّلام قد
تواتر به و ليست تعبّدية،بل هي تنبيه لمدركات العقل و توجيه لما يدركه لو
تأمّل و تفكّر كما في كثير من الروايات الواردة عنهم عليهم السّلام.و
العامّة قد شنّعت على الشيعة و تمسخرت بهم و استهزأت من قولهم بالبداء بهذا
المعنى مع أنّ رواياتهم بما ذكرنا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و اله لو لم
تكن بأكثر ممّا روته الخاصّة فلا أقلّ من المساواة،كما يظهر ذلك ممّا رووه
في تفسير آية { يَمْحُوا اَللََّهُ... } [١]إلى آخره،من أنّ اللّه يمحو كلّ شيء ما عدا السعادة و الشقاوة[٢]و بعضها خال عن هذا الاستثناء[٣]و
قد ورد في دعاء عمر بن الخطاب-الذي لم يستجب- اللهمّ إن كنت كتبتني من
السعداء فثبّتني،و إن كنت كتبتني من الأشقياء فامحني و اكتبني من السعداء[٤]إلى غير ذلك ممّا ورد في صحاحهم من تفسير تنزّل الملائكة و الروح فيها و أنّهم ينزلون بكلّ شيء[٥]و أنّه قد يكون الشخص مكتوبا في الأشقياء فيدعو ليلة القدر فيمحى و يكتب في السعداء[٦]إلى غير ذلك من الأخبار المسطورة في كتبهم التي لا يسع المجال لذكرها.و هذه الأخبار مثبتة في صحاحهم
[١]الرعد:٣٩.
[٢]جاء ذلك عن ابن عباس و مجاهد،انظر التبيان ٦:٢٦٣،و الدر المنثور ٤:٦٥.
[٣]انظر مجمع البيان ٣:٢٩٨،و الدر المنثور ٤:٦٦.
[٤]انظر المصادر المتقدّمة و فيها نقل هذه الدعاء عن ابن مسعود.
[٥]لم نعثر عليه بعينه في تلك الصحاح و لكن ورد مثله في اصول الكافي ١:٢٤٩،الحديث ٥.
[٦]انظر الدر المنثور ٤:٦٦.