غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٦٣٠ - الجهة الثانية في أنّ العامّ المخصّص حجّة في الباقي
إذا
عرفت هذه المقدّمة فاعلم أنّه إذا ورد«أكرم كلّ عالم»فقد تحقّقت الإرادة
الجدّية بعد الإرادة الاستعماليّة و أصبح العامّ حجّة في جميع أفراده،فإذا
ورد«لا تكرم شارب الخمر»مثلا و شككنا أنّ زيدا شرب الخمر أم لا فالكبرى
وحدها لا تجدي ما لم يحرز انطباقها،فإذا لم يحرز الانطباق فلا تجدي الكبرى و
لكن هذا الفرد كان داخلا تحت العموم صغرى و كبرى فيكون العموم حجّة فيه،إذ
لم تزاحمه حجّة اخرى،و هذا عين ما قدّمناه في الشبهة المفهوميّة.
و لا يخفى أنّ استثناء شارب الخمر بالدليل المنفصل لا يجتمع مع تحقّق
الإرادة الجدّية للعموم،إذ يستحيل جعل حكم للعموم بسريانه ثمّ جعل حكم
مضادّ له لبعض أفراد ذلك العامّ،فلابدّ من رفع اليد عن أحدهما،و بما أنّ
الخاصّ أظهر يرفع اليد عن عموم العامّ بالنسبة إلى ذلك الفرد.فإذا تردّد
الفرد بين كونه فردا للخاصّ أم لا فقد تردّد بين كونه مرادا بالإرادة
الجدّية المتحقّقة للعموم أم لا،و حينئذ فيشكّ في حجّية العامّ بالإضافة
إلى هذا المصداق الخارجي.
و ما ذكر:من كون العامّ حجّة فيه دون المخصّص لعدم إحراز الصغرى[١]خلط
بين معاني الحجّية،فإنّها قد تطلق الحجّية و يراد بها التنجّز،و لا ريب في
توقّفها على إحراز الصغرى و الكبرى؛و قد تطلق الحجيّة و يراد بها قاطع
العذر من الدليل الشرعي في مقام الفتيا،و لا ريب في عدم توقّفه على إحراز
الصغرى،ضرورة كون الحكم في مقام الفتيا إنّما يحمل على المواضيع المقدّر
وجودها و ليس لها نظر إلى تحقّقها خارجا و عدمه.
لا يقال:كما يكون الخاصّ في الشبهة المصداقيّة معنونا للعامّ فيصير العامّ
مجملا من ناحية انطباقه على المصداق الخارجي كذلك في الشبهة المفهوميّة.
[١]انظر مطارح الأنظار ٢:١٤٨،و أجود التقريرات ٢:٣١٩-٣٢١.