غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٤٩٩ - في الواجب التخييري
أقول:إن
رجع هذا القول إلى القول الأوّل و هو كون الواجب معيّنا عند اللّه غير
معيّن عندنا فجوابه جوابه،و إلاّ فلا يعقل أن يتعلّق الوجوب بأمر ليس له
تحقّق في الواقع أصلا،فإنّ واقع أحدهما ليس له وجود أصلا.
و ذهب بعض المحقّقين-قدّس سرّه-إلى أنّ الواجب التخييري هو أن يكون في كلّ
من الواجبين ملاك ملزم،إلاّ أنّ اللّه تعالى إرفاقا بعبده يسقط عنه وجوب
الثاني عند إتيانه بالأوّل[١].
و فيه أوّلا:أنّ الواجب التخييري ليس أمرا مبهم الحقيقة،بل هو أمر نعرفه
بوجداننا عند أمرنا بشيئين على سبيل التخيير فإنّا لا نرى أنفسنا قد أوجبنا
وجوبين نسقط الثاني على تقدير الإتيان بالأوّل إرفاقا بالمأمور.
و ثانيا:أنّ لازم ذلك هو أنّه لو تركهما معا لاستحقّ عقابين لتفويته لملاكين ملزمين على هذا،و لا يلتزم به هذا المحقّق.
فالتحقيق في الجواب أن يقال:إنّ الواجب التخييري يمكن أن يكون بنحو تكون
هناك مصلحة في الجامع بين هذه الخصال المذكورة في لسان الشارع المقدّس،و
يمكن أن يكون الواجب هو ذلك الجامع،و هو في هذه المقامات مفهوم«أحدها»الذي
هو من المفاهيم الانتزاعيّة المنطبقة على أيّ الخصال الموجودة في الخارج.
لا يقال:إنّ مفهوم أحدها لا يمكن أن يتوجّه التكليف و يتعلّق الاعتبار بها.
فإنّه يقال:إنّ هذا المفهوم قابل لتعلّق الصفات الحقيقيّة به مثل تعلّق
العلم الإجمالي في أطراف العلم الإجمالي فإنّ المعلوم الإجمالي هو مفهوم
أحدها،و كذا يتعلّق الشوق مثلا بأحد الطعامين من غير مرجّح له على عدله،و
كذا نعلم عدالة أحد الرجلين و غيرها من الأمثلة،فإذا تعلّق الصفات
الحقيقيّة بهذه المفاهيم
[١]انظر نهاية الدراية ٢:٢٧١.