غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢١٣ - التنبيه الخامس في اعتبار قيام المبدأ بالذات و عدمه
بقي
الكلام في أنّ الشيء الواحد كيف يكون تنتزع منه هذه الامور المتكثّرة؟إذ
كما لا يعقل أخذ الجامع من امور متشتتة كذلك لا يمكن أن يكون الشيء الواحد
منشأ لامور كثيرة.
و جوابه:أنّ كثرتها لفظيّة لا حقيقيّة و إلاّ فهي في الحقيقة شيء واحد و
إنّما الاختلاف في الأسماء،فهي نظير قول القائل:عباراتنا شتّى...
توضيح الإشكال أن يقال:كما أنّ أخذ الجامع من امور متكثّرة على تكثّرها
مستحيل،بل لابدّ له من جهة مشتركة حتّى بلحاظها يصحّ أخذ الجامع و انتزاعه
منها،كذلك لا يمكن انتزاع مفاهيم متعدّدة من شيء واحد بسيط ليس فيه نقص و
لا تركيب أصلا،فكيف يمكن انتزاع عالم و قادر و حيّ و غيرها منه على بساطته؟
و الجواب:أنّ الألفاظ موضوعة للماهيّات الصرفة الغير المقيّدة بالوجود و
العدم فقد تكون موجودة و قد تكون معدومة،و قد ذكروا في أوّل علم الكلام و
في كثير من موارد علم الفلسفة أنّ أوّل ما يدركه الإنسان أنّه موجود،و
الثاني ممّا يدركه أنّه غير غيره؛و لذا ترى أحد أفراده يغضب إذا غصب منه
شيء مع أنّه لا وجه له لو لا إدراك أنّه غير غيره؛إذ لو لم يدرك ذلك فأيّ
فرق بين أن يأخذه هو أو يأخذه شخص آخر؟إذ كلاهما حينئذ غيران،فلا مرجّح
لأحدهما على الآخر أصلا.
و حينئذ فجواب هذه الشبهة هو أنّ المفاهيم المتعدّدة لا يمتنع انتزاعها من
الشيء البسيط إذا كانت باعتبارات متعدّدة،فباعتبار أنّه هو الذي منه
يستمدّ الوجود في جميع الأشياء و إليه ينتهي،ينتزع منه القدرة،و باعتبار
انكشاف جميع الأشياء عليه ينتزع منه العلم فيقال عالم.و حينئذ فانتزاع
المفاهيم المتعدّدة ممكنة من البسيط كما ينتزع من الطول الخاصّ مثلا أنّه
أطول من كذا و أقصر من كذا باختلاف اعتبار المعتبر كما هو واضح.
و بالجملة،فالاختلاف في المفاهيم لا يضرّ بوحدة المصداق و لا ببساطته.