غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٦٧٧ - في دوران الأمر بين التخصيص و النسخ
يرفع
قبحه ارتفع قبحه،نظير الكذب القبيح في نفسه فإذا انضمّ إليه ما يرفع قبحه
كإنجاء مؤمن أو دفع ضرر جاز و ارتفع قبحه.و حينئذ فتأخير البيان عن وقت
الحاجة و إن كان في نفسه قبيحا إلاّ أنّ قبحه يرتفع بالمصالح المترتّبة
عليه من تقيّة أو غيرها من المصالح أو يكون إظهار العموم بنفسه ذا مصلحة
مثلا،بل يظهر من بعض الأخبار أنّ بعض الأحكام لم تبلغ حتّى يظهر الحجّة عجل
اللّه تعالى فرجه الشريف فيظهرها[١].
و بالجملة،فقد ظهر أنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة ليس قبيحا مطلقا فنلتزم
بالتخصيص و إن استلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة و يكون التأخير لمصلحة،
مضافا إلى أنّ إيراد قبح تأخير البيان إنّما هو حيث يكون عموم سابق يقتضي
الترخيص ثمّ خاصّ يقتضي التكليف و الإلزام فيكون قد ترك ما فيه مصلحة ملزمة
و هو الواجب،و إلاّ فلو عكس الأمر لكان فاعلا لجائز و لا قبح فيه أصلا.
و بالجملة،فالالتزام بالتخصيص في المقام ممكن كما أنّ النسخ في نفسه أيضا
ممكن،و لكن لسان الدليل لا يساعد عليه،فإنّ الخاصّ الوارد بعد حضور وقت
العمل بالعامّ بالإضافة إلى الخاصّ ليس دالاّ على أنّ الحكم من الآن على
طبق الخاصّ،و إنّما يبيّن أنّ الحكم من أوّل الأمر هو هكذا،و حينئذ فظهوره
في التخصيص مانع عن احتمال النسخ،فافهم.
و أمّا الصورة الثالثة:و هي ما إذا تقدّم الخاصّ زمانا و تأخّر العامّ إلاّ
أنّه ورد قبل حضور وقت العمل بالخاصّ كأن ورد«لا تكرم زيدا العالم»ثمّ
ورد«أكرم جميع العلماء»مع عدم حضور وقت العمل بالخاصّ فلا ريب في كونه
مخصّصا و مبيّنا للمراد من العامّ بالإرادة الجدّية،فإنّ تأخير البيان عن
وقت الحاجة إن كان مضرّا فتقديمه على وقت الحاجة ليس بمضرّ،و لا يتصوّر
النسخ في المقام لاستدعائه اللغو في جعل الحكم للخاصّ.
[١]راجع بحار الأنوار ٥٢:٣٠٩،الحديث ٢ و ٣٩ و ٧٣ و ٨٢ و ١١٤ و ١٦٢ و غيرها.