غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٦٧٦ - في دوران الأمر بين التخصيص و النسخ
مئة سنة
و قد يكون أكثر و حضور وقت العمل بالعموم بالنسبة إلى مورد الخاصّ قد حضر
أكثر من مرّة قطعا،أشكل عليهم الأمر من جهة أنّ التخصيص يقتضي تأخير البيان
عن وقت الحاجة،و هو قبيح و إن جاز التأخير عن وقت الخطاب على الظاهر.و
الالتزام بالنسخ إمّا غير جائز أصلا بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و اله،أو
أنّه و إن أمكن بأن يكون الحكم مؤقّتا فيوعز النبيّ صلّى اللّه عليه و اله
إلى وصيّه أمد الحكم ثمّ وصيّه يوعز إلى وصيّه و هكذا إلاّ أنّه لم يقع،أو
أنّه يقتضي كون جميع الأحكام منسوخة و هو ممنوع قطعا فقد وقعوا في حيص و
بيص؛إذ إنّ الالتزام بالتخصيص مع حضور وقت العمل غير ممكن،و بالنسخ لجميع
العمومات المخصصة في زمن الصادقين عليهما السّلام أيضا غير ممكن.
و من هنا التجأ الشيخ الأنصاري[١]و تبعه صاحب الكفاية[٢]قدس
سرّهما إلى كون العمومات الواردة في الكتاب و السنّة النبويّة عمومات
ظاهريّة و إنّ ورود المخصّص نسخ للحكم الظاهري و بيان للمراد الجدّي،و
الحكم الواقعي هو الذي لا ينسخ.
أقول:قد تقدّم في بعض المباحث المتقدّمة أنّ التخصيص للعامّ لا يقتضي
مجازيّته و أنّه إنّما يكشف عن تخالف الإرادة الجدّية مع الإرادة
الاستعماليّة،و أنّ اللفظ مستعمل في معناه الحقيقي،و التخصيص إنّما اقتضى
عدم تطابق الإرادة الاستعماليّة مع الإرادة الجدّية،و حينئذ فما ذكره هو
عين التخصيص و هو عين تأخير البيان عن وقت الحاجة،فما زعموه رافعا لقبح
تأخير البيان لم يتّضح رفعه للقبح.
فالأولى أن يقال:إنّ قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة قبح في نفسه،بمعنى
أنّه باعتبار كونه على خلاف التعهّد الصادر من واضع الألفاظ فهو نظير خلف
الوعد فقبحه ليس لازما لا ينفكّ كقبح الظلم مثلا،بل قبحه في نفسه،فإذا
انضمّ إليه ما
[١]راجع مطارح الأنظار ٢:٢٣٢،و انظر فرائد الاصول ٤:٩٤-٩٥.
[٢]كفاية الاصول:٢٧٨.