غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٦٦٥ - في تخصيص العموم بمفهوم الموافقة و المخالفة
و
بالجملة،فأخصّية المفهوم مقتضية لتقديمه على العموم لعدّ العرف له قرينة
على إرادة خلاف الظاهر في العموم،و هذا بحسب الظاهر واضح،و من هنا عمل
المشهور بذلك في الفتاوى الفقهيّة فحكموا بتنجيس الماء إذا كان قليلا
بمجرّد الملاقاة و قدّموا المفهوم لأخصيّته في موارد كثيرة في الفقه جدّا و
هو من المسلّمات عندهم من غير فرق بين كون المفهوم متّصلا بما له العموم
أم منفصلا عنه.غاية الأمر أنّه إن كان من قبيل المتّصل منع عن انعقاد
الظهور و في المنفصل يمنع عن حجّيته؛لأنّ المفهوم يتقدّم عليه بدليل
حجّيته.هذا إذا كان تقدّمه عليه من جهة دليل الحجّية فيكون مخصّصا لذلك
العموم؛لأنّ العرف يرى الخاصّ قرينة على عدم إرادة ظهور العامّ إرادة
جدّية.
و أولى من هذه الصورة بالتقدّم ما إذا كان المفهوم حاكما على العموم و
موجبا لخروج هذا الفرد عن كونه فردا لذلك العامّ،كما في مفهوم آية النبأ
فإنّ مفهومها بناء على ثبوت المفهوم لها يعارض عموم التعليل في ذيلها و هو
قوله: { أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهََالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلىََ مََا فَعَلْتُمْ نََادِمِينَ } [١]فإنّ خبر العادل لا يفيد اليقين،بل إنّما يفيد الظنّ.فبمقتضى عموم الآيات المانعة عن اتّباع الظن[٢]و
بمقتضى عموم التعليل في ذيل الآية لا يجوز التعويل على خبر العادل كالفاسق
أيضا،و لكنّ المفهوم على تقدير القول به يكون حاكما على هذه العمومات و
موجبا لخروجه عن كونه ظنّا، بل يكون علما تعبّديّا،و كذا تكون الإصابة به
إصابة بحجّة لا بجهالة،فحينئذ بمقتضى حكومته خروجه موضوعا عن العمومات و عن
عموم التعليل أيضا فإنّ عموم التعليل قضيّة حقيقيّة لا تحقّق لها
موضوعا،بل إنّما هي حكم على تقدير تحقّق موضوعه.
[١]الحجرات:٦.
[٢]مثل: { وَ لاََ تَقْفُ مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } .الإسراء:٣٦،و مثل: { إِنَّ اَلظَّنَّ لاََ يُغْنِي مِنَ اَلْحَقِّ شَيْئاً } .يونس:٣٦.