غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٦٦٤ - في تخصيص العموم بمفهوم الموافقة و المخالفة
إلاّ
أنّ التصرّف فيه تبعا للتصرّف في المنطوق ليس رفعا لليد عن الدليل الشرعي
من غير سبب؛لأنّ المعارضة بين العموم و المنطوق محقّقة.و حينئذ فينبغي
إعمال قواعد التعارض المقرّرة،و لا خصوصيّة للمقام تقتضي أن لا يكون من باب
التعارض،فإنّ التصرّف في كلّ منهما ممكن فتجري قواعد المعارضة،هذا كلّه في
مفهوم الموافقة.
و أمّا مفهوم المخالفة فهل يخصّص به العموم أم لا؟فإن كان أخصّ قدّم على العموم قطعا مثل قوله:إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجسه شيء[١]،فمفهومه
أنّه إن لم يكن قدر كرّ ينجّسه شيء،و هذا المفهوم يعارضه قوله صلّى اللّه
عليه و اله:خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شيء إلاّ ما غيّر طعمه أو
ريحه[٢]و في بعض الروايات ذكر اللون أيضا[٣].
فبمقتضى هذا العموم ينبغي أن لا يحكم بتنجيس الماء القليل ما لم يتغيّر
بالنجاسة، فإنّ الماء في العامّ و إن كان مطلقا إلاّ أنّ ذكره في مساق
الامتنان و عدم تقييده يقتضي عمومه،و لكن لمّا كان المفهوم أخصّ-لأنّه في
خصوص غير الكرّ-يقدّم على العموم للجمع العرفي،فإنّ العرف يقدّم الخاصّ
بحسب ارتكازه من غير فرق بين أن يثبت العموم بالوضع أو بمقدّمات الحكمة و
يكون المفهوم بالوضع أو بمقدّمات الحكمة أو بهما كما اخترناه؛و ذلك لأنّ
العرف يرى الخاصّ قرينة على عدم إرادة العموم إرادة جدّية،و القرينة و إن
كانت في غاية الضعف تقدّم على ظاهر الثاني و إن كان في أرقى مراتب القوّة
كما قدّم الظهور في مثل«رأيت أسدا يرمي»في الرجل الشجاع مع أنّ ظهور«أسد»في
الحيوان المفترس وضعي،و الرمي ظاهر في رمي النبل من جهة الانصراف و
مقدّمات الحكمة،لإمكان رمي التراب.
[١]الوسائل ١:١١٧-١١٨،الباب ٩ من أبواب الماء المطلق،الأحاديث ١ و ٢ و ٦ و فيها: لم ينجّسه.
[٢]الوسائل ١:١٠١،الباب الأوّل من أبواب الماء المطلق،الحديث ٨.
[٣]ورد في الرواية المتقدّمة و لم نعثر عليه في غيرها.