غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٤١٦ - الكلام في أصل الوجوب و عدمه
و من
هنا ظهر أنّ قياس الإرادة التشريعيّة بالإرادة التكوينيّة قياس مع الفارق؛
إذ الإرادة التكوينيّة تتعلّق بفعل الإنسان نفسه و الشوق إلى ذي المقدّمة
شوق إلى المقدّمة في فعله نفسه إلاّ أنّ الإرادة التشريعيّة بما أنّ
متعلّقها فعل الغير فلا ملازمة بين اعتبار ذي المقدّمة في ذمّة المكلّف و
اعتبار المقدّمة نفسها في ذمّته أيضا.
الدليل الثاني لوجوب المقدّمة:ما ذكره صاحب الكفاية قدّس سرّه[١]من
أنّ الأوامر الغيريّة بالمقدّمات موجودة في الشرعيّات و العرفيّات،و لا
وجه للأمر الغيري بالمقدّمات إلاّ جهة التوقّف و المقدّميّة،و هذا يقتضي
وجوب الجميع؛لاتّحاد الملاك.
و الجواب:أنّ هذا الدليل متين لو أثبت تحقّق أمر غيري بمقدّمة من المقدّمات
و لو واحدا؛فإنّ الأوامر الموجودة بالمقدّمات إمّا أن تكون إرشادا إلى
الشرطيّة كما في:اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه،و كما في قوله:لا صلاة
إلاّ إلى القبلة و أشباهها؛فإنّ مثل هذه إرشاديّة إلى الشرطيّة.و إمّا أن
تكون تأكيدا للأمر الأوّل النفسي،كما إذا أمر المولى عبده بشراء اللحم
فتوانى العبد و لم يسارع في الشراء يقول له:البس ملابسك و اذهب إلى
السوق،فإنّ الأمر هنا بهذه المقدّمات تأكيد للأمر الأوّل ليس إلاّ،فليس
مورد من الموارد قد ورد أمر غيريّ بمقدّمة واحدة من مقدّمات الواجب،و لو
وجد لكفى في إثبات وجوب المقدّمة، فافهم و تأمّل.
الدليل الثالث:ما ذكره أبو الحسين البصري[٢]و
أظنّه أقدم الأدلّة و هو:أنّه لو لم تجب المقدّمة لجاز تركها،و حينئذ فإن
بقى الواجب على وجوبه لزم تكليف ما لا يطاق و إلاّ خرج الواجب المطلق عن
كونه واجبا مطلقا.
[١]كفاية الاصول:١٥٧.
[٢]المعتمد في اصول الفقه ١:٩٤-٩٥.