غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٢٩ - الجهة الرابعة في أنّ أفعال العباد لمن تستند؟
صاروا إلى القول الثالث[١]،فذهبوا
إلى أنّ أفعال العباد مفوّضة إليهم؛و لذا يحسن منه الثواب على الطاعة و
العقاب على المعصية،و أنّه ليس له في أفعال العباد إرادة و لا اختيار.
و لا يخفى أنّ هذا القول و إن رفع الظلم عن اللّه تعالى،إلاّ أنّ هذا سلب
لسلطان اللّه تعالى،فإنّه لا يستطيع أن يمنع العبد عن عمل تكوينا أصلا،فهو
سلب لسلطنة اللّه و قدرته.
و من هنا ذهب الإماميّة تبعا لأئمّتهم-المعصومين من الزلل و من الخطأ في
القول و العمل-إلى أنّ أفعال العباد أمر بين الجبر و التفويض.و هذا في
الحقيقة و التأمّل الصادق برهان إمامتهم عليهم السّلام فإنّ الاهتداء إلى
هذه النكتة الخفيّة في تلك العصور المظلمة برهان قاطع و دليل ساطع على
خروجهم عن مستوى العقل البشري و بلوغهم رتبة لا يرقاها فلاسفة تلك الأعصار و
حكمائها فضلا عن غيرهم، و لا غرو ممّن هم باب مدينة علم المصطفى و معدن
العلوم و الحكم و كفى.
و لنذكر مثالا للجبر المحض:كما إذا كان إنسان مصابا بالفلج الموجب لارتعاش
اليد مثلا،فارتعاش يده ليس أمرا اختياريا له و إن فرض أنّ إرادته المقارنة
للارتعاش متعلّقة بذلك الارتعاش،إلاّ أنّها لا تصيّر العمل اختياريا؛إذ لا
يستطيع أن يوقفها عن الارتعاش أصلا،و هذا معنى خروجه عن اختياره.
و لنذكر أيضا مثالا للتفويض:و هو ما إذا فوّض الملك المستبدّ إلى شخص ولاية
بلد من البلدان،فهو يفعل فيها ما يشاء من دون علم ذلك الملك بما يصنعه و
لا تعلّق إرادة منه بذلك الذي يعمله الوالي.
و لنذكر أيضا مبنى قول المفوّضة:و هو أنّ الممكن لا يحتاج إلاّ إلى علّة
محدثة و أنّه لا يفتقر إلى علّة مبقية،بل بقاؤه حينئذ لا يحتاج إلى مؤثّر.و
مثّلوا لذلك بالحجر
[١]راجع شرح المواقف ٨:١٤٦.