غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١٤٥ - في تبعيّة الدلالة للإرادة و عدمها
و هناك
دلالة ثالثة و هي دلالة الألفاظ على كون المتكلّم مريدا للإخبار و بصدده
بإرادة جدّيّة لا هازلا أو كان في سخرية.و لا ريب في أنّ هذه الدلالة
الثالثة إنّما هي ببناء العقلاء و ليست بوضع فهذه الدلالة الثالثة أجنبيّة
عن محل الكلام، و إنّما الكلام في أنّ دلالة اللفظ الوضعيّة بإزاء المعنى
الأوّل أم بإزاء الثاني،و أنّ العلقة الوضعية بين اللفظ و المعنى الذي
ذكرناه أوّلا أم بين اللفظ و المعنى الثاني؟ ذهب المشهور إلى كون العلقة
بين اللفظ و المعنى التصوّري،فهو يدلّ على معناه بالدلالة التصوريّة،و ذهب
الشيخ الرئيس[١]و المحقق الطوسي[٢]إلى الثاني و هو الذي يقتضيه النظر الدقيق.
بيان ذلك:أنّا ذكرنا أنّ ظاهر حال الناطق أنّه في صدد إفهام ما ينطق به
فدلالته على المعنى تابعة لإرادته منه؛إذ لو لم يرد المعنى لم تكن الدلالة
الاستعماليّة متحقّقة أصلا،بل على ما ذكرنا من معنى الوضع و أنّه التعهد و
الالتزام لابدّ من كون العلقة الوضعية كما ذكرنا؛إذ لا معنى لأن يتعهّد
الواضع أنّ اللفظ دالّ على معناه و إن صدر بغير شعور و اختيار؛ضرورة أنّ
دلالته حينئذ ليست باختيار الواضع حتّى يتعهّد بها.
و ما يقال من أنّا نتصوّر المعنى و إن صدر اللفظ من اصطكاك الحجرين فهو
مسلّم إلاّ أنّ هذه الدلالة هي الدلالة الأنسية و هي لا تتبع الوضع،بل لو
صرّح الواضع بأنه يضعها للمعنى المراد للمتكلّم لم تزل تلك الدلالة الأنسية
و لو صدر اللفظ من اصطكاك الحجرين،مضافا إلى أنّ حكمة الوضع كما أسلفنا
ذلك هي التفهيم ليس إلاّ،فلابدّ من كون دلالتها موقوفة على تحقّق قصد
التفهيم.
[١]راجع الشفاء:قسم المنطق،المقالة الأولى من الفنّ الأوّل،الفصل الثامن:٤٢-٤٣.
[٢]انظر الجوهر النضيد:٨.