آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٤ - (المقام الأول)
لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ فإن توفي الناس بالليل إنما يكون بأخذهم بالنوم ثم يبعثهم اللّه باليقظة في النهار ليقضوا بذلك آجالهم المسماة ثم إلى اللّه مرجعهم بالموت و المعاد. و كما في قوله تعالي في سورة النساء ١٩:حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ فإنه لا يستقيم الكلام إذا قيل يميتهنّ الموت و حاصل الكلام ان معنى التوفي في موارد استعماله في القرآن و غيره إنما هو أخذ الشيء وافيا أي تاما كما يقال درهم واف و هذا المعنى ذكره اللغويون للتوفي في معاجمهم و قالوا ان توفاه و استوفاه بمعنى واحد و أنشدوا له قول الشاعر
ان بني الادرد ليسوا لأحد
و لا توفاهم قريش في العدد
أي لا تتوفاهم و تأخذهم تماما (قلت) لكنّ بين الاستيفاء و التوفي فرقا واضحا من جهة اثر الاشتقاق فإن الاستيفاء استفعال كالاستخراج يشير إلى طلب الآخذ و استدعائه و معالجته و التوفي يشير إلى القدرة على الآخذ بدون حاجة إلى استدعاء و طلب و معالجة و لذا اختص القرآن الكريم بلفظ التوفي و عدل عن الأخذ لعدم دلالته على التمام و الوفاء كالتوفي الدال على تمام القدرة على نحو المعنى فيإِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و لك العبرة فيما قلناه بقوله تعالىاللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فإنك إن جعلت قوله تعالىوَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ معطوفا على الأنفس لم تقدر أن تقول أن معنى يتوفى يميت. و إن قلت ان التوفي في المنام اماتة مجازية قلنا كيف يكون معنى اللفظ الواحد معنيين معنى حقيقيا و معنى مجازيا و يتعلق باعتبار كل معنى بمفعول و يعطف احد المفعولين على الآخر مع اختلاف المعنى العامل به. و هل يكون اللفظ الواحد مرآة لكل من المعنيين المستقلين كلا لا يكون. و إن جعلت قوله تعالىوَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ مفعولا لكلمة «يتوفى» مقدرة يدل عليها قوله تعالىيَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ قلنا ان دلالة الموجود على المحذوف إنما هي بمعناه كما لا يخفى على من له معرفة بمحاورات الكلام فى كل لغة فكيف يجعل التوفي بمعنى الموت دليلا على توف محذوف هو بمعنى آخر .. إذن فليس الا أن التوفي بمعنى واحد و هو الأخذ تماما و وافيا. إمّا من عالم الحياة. و إما من عالم اليقظة. و اما من عالم الأرض و الاختلاط بالبشر إلى العالم السماوي كتوفي المسيح و أخذه و من الغريب ما قاله بعض من أن رفع المسيح إلى السماء غير مشتمل على أخذ الشيء تاما انتهى و ليت شعري ماذا بقي من المسيح في الأرض و ماذا تعاصى منه على قدرة اللّه في أخذه فلا يكون رفعه مشتملا على أخذ الشيء تاما. هذا و لا يخفى ان القرآن ناطق بأن المسيح ما قتلوه