آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٥ - (المقام الأول)
و ما صلبوه و لكن شبه لهم و رفعه اللّه اليه و إن عقيدة المسلمين مستمرة كإجماعهم على انه لم يمت بل رفع إلى السماء إلى ان ينزل في آخر الزمان فلأجل ذلك التجأ بعض من يفسر التوفي بالإماتة إلى ان يفسر قوله تعالىيا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ أي مميتك في وقتك بعد النزول من السماء و لكني لا أدري ماذا يصنع بحكاية القرآن لما سبق على نزوله في قوله في أواخر سورة المائدة «١١٦ و ١١٧:وَ إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ-ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ-فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ فهل يسوغ ان تفسر هذه الآية بالوفاة بعد النزول و هل يصح القياس في ذلك على قوله تعالىوَ نُفِخَ فِي الصُّورِ و هل يخفى ان مقتضى كلام المسيح في الآيتين هو انه بعد ان توفاه اللّه و انقطعت تبليغاته في دعوة رسالته و كونه شهيدا على أمته تمحض الأمر و رجع إلى ان اللّه هو الرقيب عليهم. و ان سوق الكلام و اتساقه ليدل على اتصال الحالين. و ان الرقيب كيفما فسرته إنما يكون رقيبا في وجود تلك الأمة في الدنيا دار التكليف لا الآخرة التي هي دار جزاء و انتقام. و لا تصح الطفرة في المقام من أيام دعوة المسيح لأمته في رسالته و كونه شهيدا عليهم إلى ما بعد نزوله من السماء في آخر الزمان حيث يكون وزيرا في الدعوة الإسلامية لا صاحب دعوة. و من الواضح أن المراد في الآيتين من الناس الذين جرى الكلام في شأنهم إنما هم الذين كانوا أمة المسيح و في عصر رسالته و نوبة دعوته و تبليغه ... و أما صرف وجهة الكلام إلى الناس الذين هم في أيام نزوله من السماء فما هو إلا مجازفة فيها ما فيها و تحريف للكلم ... و أما قوله تعالىوَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فلم يكن اخبارا ابتدائيا يكون وقوع الفعل الماضي فيه باعتبار حال المتكلم كما في الآيتين بل جاء في سياق قوله تعالى ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ في حوادث زمان البعث و القيامة و مقدماتها فهو في سياقه ناظر إلى ذلك الحين و سياق الكلام يجعله بدلالته في قوة قوله و نفخ حينئذ في الصور فهو على حقيقة الفعل الماضي و باعتبار ذلك الحين كما في قوله وَ جِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ. هذا و بعض المفسرين لقوله تعالىيا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ قال أي مميتك حتف انفك. و أقول ان أراد الإماتة بعد نزول المسيح من السماء شارك ما سبق من التفسير فى ورد الاعتراض عليه و ان أراد اماتته قبل ذلك و قبل نزول القرآن خالف المعروف من عقيدة المسلمين و إجماعهم في اجيالهم و يرد عليه السؤال ايضا بأنه من أين جاء بالإماتة حتف انفه و ماذا يصنع بما جاء في القرآن