آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٣٣ - (المقام الأول)
المس ثمّ قال في المصباح و إذا كان اللمس هو المس فكيف يفرق الفقهاء بينهما انتهى. و لعلك تذعن بأن الفقهاء احذق في استفادة المعنى من تتبع موارد الاستعمال و ذلك لما اعتادوه و شحذوا به أذهانهم من بذل الجهد بالبحث و التحقيق فإن الفرق بين معنيي اللمس و المس واضح بحكم التبادر و التتبع لموارد الاستعمال. و غير خفي ان المعروف و المتبادر تبادرا يجزم معه بعدم النقل عن المعنى اللغوي الأصلي هو ان اللمس هو الإصابة بما به الإحساس من البدن بقصد الاحساس للملموس لا خصوص اللمس باليد و لا مطلق المس نعم كثير من موارد اللمس ما يكون باليد باعتبار انها آلة عادية و أقوى إحساسا. كما ان المس هو مطلق الإصابة لا بقصد الاحساس و قد صرح جماعة من أساطين علمائنا بأن معنى المس لغة بل و عرفا هو ما ذكرناه كما في المعتبر و المنتهى و روض الجنان و الحدائق بل و المهذب البارع و أظن ان الذي يحقق في مراجعة العرف و التبادر و تتبع موارد الاستعمال قديما و حديثا لا يشك في ان معنى اللمس هو ما ذكرناه أولا.
و من شواهد ما ذكرناه هو الاضطراب في معنى التوفي و ما استعمل في لفظه المتكرر في القرآن الكريم. فاللغويون جعلوا الإماتة في معنى التوفي. و الكثير من المفسرين في تفسير قوله تعالى في سورة آل عمران ٤٨يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ إِلَيَ قالوا أي مميتك.
و قال بعض مميتك حتف انفك. و قال بعض مميتك في وقتك بعد النزول من السماء و كأنهم لم ينعموا الالتفات الى مادة التوفي و اشتقاقه و محاورات القرآن الكريم و القدر الجامع بينها. و إلى استقامة التفسير لهذه الآية الكريمة و اعتقاد المسلمين بأن عيسى لم يمت و لم يقتل قبل الرفع إلى السماء كما صرح به القرآن. و إلى ان القرآن يذكر فيما مضى قبل نزوله ان المسيح قال للّهفَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي و من كل ذلك لم يفطنوا الى أن معنى التوفي و القدر الجامع المستقيم في محاورة القرآن فيه و في مشتقاته إنما هو الأخذ و الاستيفاء و هو يتحقق بالإماتة و بالنوم و بالأخذ من الأرض و عالم البشر إلى عالم السماء. و إن محاورة القرآن الكريم بنفسها كافية في بيان ذلك كما في قوله تعالى في سورة الزمر ٤٣:اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ألا ترى انه لا يستقيم الكلام إذا قيل اللّه يميت الأنفس حين موتها و كيف يصح ان التي لم تمت يميتها في منامها. و كما في قوله تعالى في سورة الانعام ٦٠:وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ