آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٦٨ - سورة البقرة(٢) الآيات ٦ الى ٧
العقل الفطري بقبح صدور القبيح من فاعله انما هو بالنظر الى عقل الفاعل وجهة كماله و علمه بالفعل و بجهة قبحه و لذا لا يحكم بالقبح الفاعلي على الفاعل من الأطفال و المجانين الذين لا يميزون و لا على الغافل عن الفعل او جهة قبحه. و ان اللّه هو الكامل العليم الخبير فهو جل قدسه أول من ينظر العقل إلى فعله و يحكم بامتناع صدور القبيح منه جل شأنه «رابعها» انه يقبح من الإنسان أن يمكن عبده من القبائح و الفواحش بمرأى منه و مسمع ثم يعاقبه على ذلك مع أن القدرة التي يفعل بها الناس الفواحش هي من اللّه على علم منه بمن سيفعل الفواحش منهم (و يردهم) ان التمكين القبيح هو ما كان مختصا بفعل الفواحش و لكن اللّه عز و جل أعطى القوى للإنسان ليتمتع بها في المباح و الراجح نعمة منه لإبقاء نوعه و انتظام اجتماعه. غاية الأمر ان الإنسان يتمكن من أن يعملها في المحرم الذي أرشده إلى تركه بالعقل و زجر الأنبياء و نواهيه في وحيه و إنذارهم لهم بالوعيد. فهذه القوى نعمة مسدودة لا مساس لها بما ذكروه من المثال.
و لم يخلق اللّه قوة مختصة بأعمال الشر لكي تكون نقضا على ما نقول به من مسألة القبح «خامسها» أن ما يكون ظلما قبيحا إنما هو التصرف في ملك الغير بغير إذنه و اللّه مالك العباد و كل شيء.
فكل ما يفعله بالعباد ليس بظلم. و يرده أولا ان العقل لا يتوقف في احكامه و موضوعاتها على ما يذكر في بعض المتون الفقهية أو معاجم اللغة في معنى الظلم تساهلا أو قصورا أو اقتصارا على محل الحاجة في البيان. فإن كل ذي شعور إذا رأى مالك العبد قد سدّ فمه و منعه بالقهر عن شرب الماء و استمرّ على المنع و هو يقول له اشرب الماء اشرب حتى إذا أضرّ به العطش و هو ممنوع عن الشرب استشاط مالكه غضبا عليه و صار يعنفه و ينكل به لأنه لم يشرب الماء. و كذا لو فعل مثل ذلك فيما يملكه من الحيوان. فإن الرائي لذلك الحال و كل من علم به يحكم بالبداهة ان العبد و الحيوان المذكورين مظلومان. و إن المالك المذكور ظالم قد فعل قبيحا. و ثانيا. ان مقتضى ما زعموه انّ الأنبياء و الرسل الذين أفنوا أعمارهم في طاعة اللّه و عبادته و الدعوة اليه و صبروا في ذلك على الشدائد هؤلاء الكرام يجوز أن يعذبهم اللّه يوم القيامة في جهنم خالدين فيها بعذاب إبليس و فرعون بزعمهم و إنه ليس بظلم و لا قبيح فإنهم عبيد اللّه و ملكه «سادسها» أنه يجوز ان تكون هناك حكمة تسوغ ان يلجئ اللّه عباده على الكفر و أعمال الشر ثم يعاقبهم على ذلك فلا سبيل للعقل مع هذا الجواز إلى حكمه بقبح هذا الإلجاء و هذا العقاب (و يردهم) ان العقل يحكم بالقبح و الامتناع في هذا و أمثاله لأنه يجد ان لا حكمة ترفع قبحه و امتناعه من اللّه و لا يصلح