آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٦٩ - سورة البقرة(٢) الآيات ٨ الى ٩
لأن ترفع حكمة قبحه. و لو حاول أحد أن يد على العقل باب هذا الوجدان كان ذلك منه سفسطة سخيفة تسد على العقل باب احكامه و ذلك باطل بالضرورة. على ان هذا الاحتمال و التجويز للحكمة يرد عليهم بنحو لا مخلص لهم منه أبدا فإنهم بإنكارهم للقبح العقلي و امتناع صدور القبيح من اللّه قد سدّوا على أنفسهم باب العلم بصدق النبوات و بأن اللّه لا يظهر المعجز على يد الكاذب و بصدق الكتب الإلهية و ما فيها من تقديس اللّه و أمر القيامة و النعيم و العذاب و الجنة و النار فإن قالوا إنا نعرف من عادة اللّه انه لا يكذب جلّ و علا و لا يظهر المعجز على يد الكاذب. قلنا عليهم أولا لماذا لا تجوزون ان تكون هناك حكمة تسوغ مخالفة العادة و إذ قد عزلتم العقل في هذا المقام لم يكن لكم أن تقولوا ان العقل يجد أن لا حكمة تجوز مخالفة العادة. مع ان مخالفة العادة ليس فيها محذور لا تعارضه حكمة بخلاف القبيح كما قلناه «و ثانيا» ان دعوى العلم بعادة اللّه لا تليق إلا من قديم أزلي مطلع على جميع اعمال اللّه منذ الأزل نفيا و ثبوتا لكي يعرف ما صار عادة للّه و ما لم يصر. و من ذا الذي يزعم انه ذلك الأزلي المطلع على جميع أعمال اللّه منذ الأزل. و ما هو المانع من مخالفة العادة حتى مع عدم الحكمة.
سبحانك اللهم ما أجلى قدسك و كمالك للعقول التي وهبتها لعبادك و أقمت باحكامها عليهم الحجة
[سورة البقرة (٢): الآيات ٨ الى ٩]
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ (٩)
٨وَ مِنَ النَّاسِ أي قوم منهم و هم المنافقون مَنْ يَقُولُ أفرد الضمير باعتبار لفظ «من»آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ و الظاهر كما حكي عليه الاتفاق ان المراد منهم الذين يظهرون الإيمان و يبطنون النفاق و من الشواهد لذلك قوله تعالى فيما بعدوَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ. ذكروا إيمانهم باللّه و اليوم الاخر جمعا لأطراف الإيمان لأن ايمانهم باليوم الآخر متفرع على الإيمان بالرسول و القرآن. و لأجل أن يظهروا في مخادعتهم أنهم يخافون اللّه و عذاب الآخرة و يرجون نعيم الثواب فهم ملازمون للتقوى من أجل ذلك.
و مرادهم من قولهم آمنا انهم ثبتت لهم صفة الإيمان فهم من زمرة المؤمنين و لا يريدون الاخبار بمجرد صدور الإيمان منهم في الماضي و الذي يجتمع مع الثبات عليه و مع الارتداد و النفاق بعده و لذا قال اللّه جلّ شأنهوَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ بل منافقون ٩يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا و المخادعة هو ما يسبب الخديعة و يولدها من قول او فعل و الخديعة هو ما يسبب و يتولد من