آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٤٠ - المقام الثاني
التي أهلكها اللّه حرام عليهم بسبب مشاهدتهم لآيات الإهلاك و حضور الموت و ممتنع في العادة و منفيّ بالمرة كونهم لا يرجعون إلى التوبة و الإيمان بحسب الفطرة و إن كان لا ينفعهم و يستمرون على ما هم فيه حتى إذا جاءت الساعة و صار يوم القيامة و عاينوا ما كانوا يوعدون قالوا يا ويلنا قد كنا في غفلة عن هذا.
و قال اللّه تعالى في سورة آل عمران ٧٣ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ٧٤ وَ لا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْباباً و لا يخفى ان قوله تعالى (و لا يأمركم) معطوف على (يقول) المعطوف بثمّ على المنفي بقوله تعالى (ما كان) أي ليس له و إن (لا) هنا نافية يؤتى بها لتثبيت النفي في الأمرين مثلها في قولك ليس لك ان تقوم و لا أن تأكل لئلا يتوهم ان النفي للجمع بين الأمرين و الجمع بين القيام و الأكل كما قال في الكشاف في ثاني وجهيه في الآية. و قال في الكشاف ان في الآية وجهين أحدهما ان نجعل «لا» مزيدة و المعنى ثمّ يأمر الناس بأن يكونوا عبادا له و يأمركم ان تتخذوا النبيين و الثاني ان نجعل «لا» نافية غير مزيدة و المعنى ما كان لبشر يستنبئه اللّه ان يأمر الناس بعبادته و ينهاكم عن عبادة الملائكة أي ما كان له أن يجمع بين الأمر و النهي. و يا للعجب ممن سوغ لنفسه في مثل بلاغة القرآن المجيد ان يفسر لا يأمركم بقوله ينهاكم و لو فسر بذلك كلام واحد من الناس لأوسعه من الملام ما أوسعه- و لم ينفرد الزمخشري بدعوى زيادة (لا) في هذه الموارد بل ادعى ذلك جماعة من المفسرين و النحويين كما ذكر ابن هشام في المغنى في كلمة «لا» و لو ان زيادة «لا» محققة في كلام العرب متداولة في شعرهم و نثرهم لما ساغ لهؤلاء ان يقولوا بذلك في مثل بلاغة القرآن الكريم و مجدها و في خصوص الموارد التي ادعوا فيها الزيادة فإن البلاغة بل استقامة الكلام تقتضي تثبيت إثباتها و رفع أوهام النفي عنها لو كانت مثبتة إذن فكيف يقلق مضمونها الشريف بما يوهم النفي و يشوش الكلام. و ان المخبر الذي يعرف كيف يتكلم لا يدخل على خبره ما يوهم نقيضه هذا مع اني لم أجد شاهدا ذكروه من الكلام على زيادة «لا» إلا قوله:
(و تلحينني في اللهو أن لا أحبه
و للهو داع دائب غير غافل)
و لو كان هذا من شعر العرب و كان المراد منه ما فهموه لجاز أن يضمر فيه و تأمرينني بأن لا أحبه أو و تدعينني إلى أن لا أحبه. و من غرائبهم استشهاد بعضهم أيضا بقول الشاعر
آلاء الرحمن فى تفسير القرآن ج١ ٨٠