آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٧٤ - سورة البقرة(٢) آية ١٩
جمع أعمى شبهوا بذلك لأنهم بإصرارهم على الغي قد أخرجوا أنفسهم عن الانتفاع و الاهتداء بما يسمعون من الدلائل و الوعظ و الإنذار و التعليم و عن الاهتداء بسؤالهم عن الحق و مكالمتهم في ذلك و عن الانتفاع بما يشاهدونه مما يوضح لهم سبيل الرشدفَهُمْ لا يَرْجِعُونَ إلى حقيقة الإيمان إذ قد استحوذ عليهم الشيطان
[سورة البقرة (٢): آية ١٩]
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩)
١٩أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ عطف بأو لأجل التنبيه بالترديد بين المثلين على اختلاف مجراهما و مغزاهما. فكأنه قيل ان شئت ضرب المثل لحال المنافقين مع الإسلام و هداه بالذي استوقد نارا إلى آخره. و ان شئت ضرب المثل لشأن الإسلام مع المنافقين فإن مثله كمثل صيب من السماء و حذف لفظ المثل لدلالة ما سبق و سياق الكلام عليه. و الصيب هو المنهمل النازل من العلو و السماء جهة العلو فوق الأرض فالمراد من الصيب هو المطر الغزير المنصبّ و الذي تحيى به الأرض و تزهر بنباتها و ينمو به الزرع و الضرع و هو قوام المعيشة للناس و خصوص العرب و أهل البوادي و الأنعام و لكنه مع ذلك لا يخلو من ان تقارنه ظلمات تتتابع كلما اكفهر السحاب الهاطل و ادلهمت به الآفاق خصوصا إذا كان بالليل. و لذا وصف المطر الصيب بالتوسع في الظرفية بأنهفِيهِ ظُلُماتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ إذ لا ينفك عن الرعد و البرق و الصواعق و هي الرعود القاصفة المخيفة بصوتها و هي المرادة في الآية و ان كانت الصاعقة ايضا اسما للنار النازلة مع ذلك الرعد المخيف.
فالإسلام للناس و نظام اجتماعهم كالمطر الصيب فيه حياتهم و سعادتهم في الدارين و زهرة الأرض بالعدل و الصلاح و الأمن و حسن الاجتماع و لكن معاندة المعاندين للحق و أهله جعلت الإسلام كالمطر لا يخلو من ظلمات شدائد و حروب و معاداة من المشركين و رعود قتل و قتال و تهديدات مزعجات لغير الصابرين من ذوي البصائر و الذين ارخصوا نفوسهم في سبيل اللّه و نيل السعادة. و فيه بروق من النصر و آمال الظفر و اغتنام الغنائم و عزّ الانتصار و المنعة و الهيبة.
فهم إذا سمعوا صواعق الحرب أخذهم الهلع و الحذر من القتل و شبهت حالهم في ذلك بأنهميَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ اجلالصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ و خوفا من أن تخلع قلوبهم من هول أصواتها. و سفها لعقولهم اين يفرون عن الموت و ماذا يجديهم حذرهموَ اللَّهُ مُحِيطٌ