آلاء الرحمن فى تفسير القرآن - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٧٣ - سورة البقرة(٢) آية ١٨
للتوفيق و التسديد و وكلهم اللّه الى أنفسهم الأمّارة و أهوائهم الخبيثة. فأسدلا عليهم ظلمات الضلال بسوء اختيارهم. و لأجل ان ينوّه اللّه بما للتوفيق و التسديد من الأثر الشريف في تأييد العقل على مكافحته لوساوس الشيطان و نزغات النفس الأمارة و اهوائها عبر عن حالهم في غيهم على سبيل المجاز و استعارة التشبيه بأنهم حينئذذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ و أشار إلى معنى ذلك بقوله تعالى وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ أي خلى اللّه بينهم و بين أهوائهم و سوء اختيارهم و صاروا يخبطون في ظلمات الضلال لا يبصرون فيها طريق الهدى و الرشاد. و قد سلك القرآن الكريم أحسن منهاج البلاغة في بيان مثلهم و نتيجتهم السيئة فذكر مجرى المثل و مغزاه و اكتفى بذكر نتيجته بدلالة النتيجة السيئة لحال الذين ضرب المثل في شأنهم فناول السامع تتمة المثل و نتيجة حال المنافقين بأوجز بيان مفهم كما اكتفى بمقدمات المثل عن ذكر المنافقين في استيقادهم لنار الهدى و اضاءتها لما حولهم كما ذكرناه و ربما تصوره جودة الفهم أحسن مما ذكرناه. و لو بسط القرآن الكلام كما شرحناه للزم التطويل. و لو أهمل ما ذكره لحال المنافقين لما تمثلت من ضرب المثل فائدة لها قيمة بل لو ذكر قبلها نتيجة المستوقد المذكور لأنس الذهن بها و لم يرعه ما ذكر من نتيجة المنافقين السيئة المهولة و ذلك خلاف المقصود و حسن البيان.
(و مما ينبغي التنبيه عليه) هو ان بعض التفاسير المعروفة بالفضيلة ذكرت تفسير الآية على غير ما ذكرناه فنشأ من ذلك أمور «أحدها» جرأة غير المسلمين على الاعتراض على القرآن الكريم «ثانيها» التجاؤه إلى ان يجعل «الذي» بمعنى «الذين» و هذا مع وهنه مناف لإفراد الضمير في «استوقد» و «ما حوله» «ثالثها» استشهاده بقوله تعالى في سورة التوبة ٧٠وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا مع ان كلمة «الذي» في الآية للمفرد لا بمعنى الذين «رابعها» عدم ذكر النتيجة السيئة لحال المنافقين و في ذلك ما فيه. مع ان قوله تعالى صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ إنما هي من صفات المنافقين لا من تتمة المثل و على ما ذكره يستلزم ربطها بالمنافقين طفرة كبيرة و فصلا بالأجنبي الطويل و هؤلاء المنافقون الذين ذهب اللّه بنورهم على ما ذكرناه هم في ضلالهم
[سورة البقرة (٢): آية ١٨]
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨)
١٨صُمٌ جمع أصم و هو الفاقد لحاسة السمع و قيل هو من ولد كذلكبُكْمٌ جمع ابكم قيل هو الأخرس و قيل من ولد كذلك و قيل هو الأخرس مع عيّ و بله عُمْيٌ