المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٩٧
سمّي ذلك تهوّرا، و إن مالت إلى الضعف و النقصان سمّي ذلك جبنا و خورا، و إن مالت قوّة الشهوة إلى طرف الزّيادة سمّي شرها، و إن مالت إلى النقصان سمّى خمودا، و المحمود هو الوسط و هو الفضيلة، و الطرفان رذيلتان مذمومتان، و العدل إذا فات فليس له طرفان زيادة و نقصان بل له ضد واحد و هو الجور.
و أمّا الحكمة فيسمّى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة خبّا و جربزة، و يسمّى تفريطها بلها و الوسط هو الّذي يختصّ باسم الحكمة فإذن أمّهات الأخلاق و أصولها أربعة: الحكمة و الشجاعة و العفة و العدل، و نعني بالحكمة حالة للنفس بها تدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية، و نعني بالعدل حالة للنفس و قوّة بها تسوس الغضب و الشهوة و تحملهما على مقتضى الحكمة و تضبطهما في الاسترسال و الانقباض على حسب مقتضاها، و نعني بالشجاعة كون قوّة الغضب منقادة للعقل في إقدامها و إحجامها، و نعني بالعفة تأدّب قوّة الشهوة بتأديب العقل و الشرع.
فمن اعتدال هذه الأصول الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلّها، إذ من اعتدال قوّة العقل يصدر حسن التدبير و جودة الذّهن و ثقافة الرّأي و إصابة الظنّ و التفطّن لدقائق الأعمال و خفايا آفات النفوس، و من إفراطها تصدر الجربزة و المكر و الخداع و الدّهاء، و من تفريطها يصدر البله و الغمارة و الحمق و الجنون، و أعنى بالغمارة قلّة التجربة في الأمور مع سلامة التخيّل، و قد يكون الإنسان غمرا في شيء دون شيء، و الفرق بين الحمق و الجنون أنّ الأحمق مقصوده صحيح لكن سلوكه للطريق فاسد فلا يكون له رويّة صحيحة في طريق الوصول إلى الغرض. و أمّا المجنون فإنّه يختار ما لا ينبغي أن يختار فيكون أصل إيثاره و اختياره فاسدا.
و أمّا خلق الشجاعة فيصدر منه الكرم و النجدة و الشهامة و كسر النفس و الاحتمال و الحلم و الثبات و كظم الغيظ و الوقار و التؤدة و أمثالها، و هي أخلاق محمودة و أمّا إفراطها و هو التهوّر فيصدر منه الصلف و البذخ و الاستشاطة و التكبّر و العجب، و أما تفريطها فيصدر منه المهانة و الذلّة و الجزع و الخساسة و صغر النفس و الانقباض عن تناول الحقّ الواجب.
المحجة