المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠٣
فقال: بلى و لكنّي دعوت اللّه فأعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلّا بخير [١]» فلم يقل لا شيطان لي و أراد شيطان الغضب لكن قال: لا يحملني على الشرّ.
و قال عليّ عليه السّلام: «كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يغضب للدّنيا فإذا أغضبه الحقّ لم يعرفه أحد و لم يقم لغضبه شيء حتّى ينتصر له» [٢] فكان يغضب على الحقّ و إن كان غضبه للَّه فهو الالتفات إلى الوسائط على الجملة، بل كلّ من غضب على من يأخذ ضرورة قوته و حاجته الّتي لا بدّ له في دينه منها فإنّما غضب للَّه فلا يمكن الانفكاك عنه. نعم قد يفقد أصل الغضب فيما هو ضروريّ إذا كان القلب مشغولا بضروريّ أهمّ منه فلا يكون في القلب متّسع للغضب لاشتغاله بغيره، فإنّ استغراق القلب ببعض المهمّات يمنع الإحساس بما عداه، و هذا كما أنّ سلمان لما شتم قال: إنّ خفّت موازيني فأنا شرّ ممّا تقول، و إن ثقلت موازيني لم يضرّني ما تقوله. فقد كان همّه مصروفا إلى الآخرة فلم يتأثّر قلبه بالشتم، و كذلك شتم رجل الرّبيع بن خثيم فقال: يا هذا قد سمع اللّه كلامك و إنّ دون الجنّة عقبة إن قطعتها لم يضرّني ما تقول، و إن لم أقطعها فأنا شرّ ممّا تقول، و سبّ رجل بعضهم فقال: إن كنت صادقا فغفر اللّه لي، و إن كنت كاذبا فغفر اللّه لك، فهذه الأقاويل دالّة في الظّاهر على أنّهم لم يغضبوا لاشتغال قلوبهم بمهمّات دينهم، و يحتمل أن يكون ذلك قد أثّر في قلوبهم و لكنّهم لم يشتغلوا به و اشتغلوا بما كان هو الأغلب على قلوبهم فإذا اشتغال القلب ببعض المهمّات لا يبعد أن يمنع هيجان الغضب عند فوات بعض المحابّ فإذا يتصوّر فقد الغيظ إمّا باشتغال القلب بمهمّ أو بغلبة نظر التّوحيد أو بسبب ثالث و هو أن يعلم أنّ اللّه يحبّ منه ألاّ يغتاظ فيطفي شدّة حبّه للَّه غيظه، و ذلك غير محال في أحوال نادرة. و قد عرفت بهذا أنّ طريق الخلاص من نار الغضب محو حبّ الدّنيا عن القلب و ذلك بمعرفة آفات الدّنيا و غوائلها كما سيأتي في كتاب ذمّ الدّنيا، و من أخرج حبّ الدّنيا عن القلب تخلّص من أكثر أسباب الغضب و ما لا يمكن محوه فيمكن كسره و تضعيفه فيضعف الغضب بسببه
[١] أخرجه مسلم ج ٨ ص ١٣٩ من حديث عائشة.
[٢] أخرجه الترمذي في الشمائل و قد تقدم في ج ٤.
المحجة