المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٦
المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن» أي بين تجاذب هذين الحزبين و هو الغالب على القلوب أعني التقلّب و الانتقال من حزب إلى حزب، أمّا الثبات على الدوام مع حزب الملائكة أو حزب الشياطين فنادر من الجانبين.
و هذه الطاعات و المعاصي تظهر من خزائن الغيب إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب فإنّه من خزائن الملكوت، و هي إذا ظهرت كانت علامات تعرف أرباب القلوب سابق القضاء فمن خلق للجنّة يسّرت له الطاعة و أسبابها و من خلق للنار يسّرت له أسباب المعصية و سلّط عليه أقران السوء و ألقى في قلبه حكم الشيطان فإنّه بأنواع الحكم يغرّ الحمقى كقوله: إنّ اللّه تعالى رحيم فلا تبال، و إنّ الناس كلّهم ما يخافون اللّه فلا تخالفهم، فإنّ العمر طويل فاصبر حتّى تتوب غدا «يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ وَ ما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً» يعدهم بالتوبة و يمنّيهم بالمغفرة فيهلكهم بإذن اللّه بهذه الحيل و ما يجري مجراها، فيوسّع قلبه لقبول الغرور و يضيّقه عن قبول الحقّ و كلّ ذلك بقضاء من اللّه و قدره «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ»، «إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ» فهو الهادي و المضلّ يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، لا رادّ لحكمه و لا معقّب لقضائه، خلق الجنّة و خلق لها أهلا فاستعملهم بالطاعة و خلق النار و خلق لها أهلا فاستعملهم بالمعصية و عرف الخلق علامات أهل النار و أهل الجنّة فقال تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ.
و لنقتصر الآن على هذا القدر اليسير من ذكر عجائب القلب فانّ استقصاءه لا يليق بعلم المعاملة و إنّما ذكرنا منه ما يحتاج إليه لمعرفة أغوار علوم المعاملة و علومها و أسرارها لينتفع بها من لا يقنع بالظواهر و لا يجتزئ بالقشور عن اللّباب، بل يتشوّق إلى معرفة دقائق الأسباب، و فيما ذكرناه كفاية له و مقنع إن شاء اللّه تعالى.
(١) هذا آخر كتاب شرح عجائب القلب من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء.
و يتلوه إن شاء اللّه تعالى كتاب رياضة النفس و تهذيب الأخلاق و معالجة أمراض القلب، و الحمد للَّه أوّلا و آخرا.
المحجة