المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢٩
على ذلك المقام و الكلام فسعى به إلى الملك فقال: إنّ هذا الّذي يقوم بحذائك و يقول ما يقول يزعم أنّ الملك أبخر [١]، فقال له الملك: فكيف يصحّ ذلك عندي؟
قال: تدعو به غدا إليك فإذا دنى منك وضع يده على أنفه أن لا يشمّ ريح البخر فقال له: انصرف حتّى أنظر فخرج من عند الملك فدعا الرّجل إلى منزله فأطعمه طعاما فيه ثوم فخرج الرّجل من عنده و قام بحذاء الملك فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه و المسيء سيكفيكه مساويه، فقال له الملك: ادن منّي فدنا منه فوضع يده على فيه مخافة أن يشمّ الملك منه ريح الثوم، فقال الملك في نفسه ما أدري فلانا إلّا صدق، قال: و كان الملك لا يكتب بخطّه إلّا جايزة أو صلة فكتب له كتابا بخطّه إلى عامل من عمّاله إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه و اسلخه و احش جلده تبنا و ابعث به إليّ، فأخذ الكتاب و خرج فلقيه الرّجل الّذي سعى به فقال: ما هذا الكتاب؟ فقال خطّ الملك أمر لي بصلة، فقال: هبه لي، فقال: هو لك، فأخذه و مضى إلى العامل، فقال العامل: في كتابك أن أذبحك و أسلخك قال: إنّ الكتاب ليس هو لي، فاللّه اللّه في أمري حتّى تراجع إلى الملك قال: ليس لكتاب الملك مراجعة فذبحه و سلخه وحشا جلده تبنا و بعث به، ثمّ عاد الرّجل إلى الملك كعادته و قال مثل قوله فتعجّب الملك و قال: ما فعل الكتاب فقال: لقيني فلان فاستوهبه منّي فوهبته له فقال الملك: إنّه ذكر لي أنّك تزعم أنّي أبخر؟ قال: ما قلت ذلك، قال: فلم وضعت يدك على أنفك؟ قال: كان أطعمني طعاما فيه ثوم فكرهت أن تشمّه، قال:
صدقت ارجع إلى مكانك فقد كفاك المسيء مساويه.
و قال ابن سيرين: ما حسدت أحدا على شيء من أمر الدّنيا لأنّه إن كان من أهل الجنّة فكيف أحسده على أمر الدّنيا و هي حقيرة في الجنّة، و إن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدّنيا و هو يصير إلى النار. و سئل بعضهم هل يحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك بني يعقوب نعم و لكن غمّه في صدرك و إنّه لا يضرّك ما لم تعدّ به يدا و لا لسانا. و قال أبو الدّرداء: ما أكثر عبد ذكر الموت إلّا قلّ فرحه
[١] بخر يبخر- من باب علم- الفم: أنتن ريحه فهو أبخر.
المحجة