المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٧٩
التفاوت بين الأمرين في العسر و اليسر، فليكن الاحتياط في بذايات الأمور فأمّا أواخرها فلا تقبل العلاج إلّا بجهد شديد يكاد يوازي نزع الرّوح.
فاذن إفراط الشهوة أن يغلب العقل إلى هذا الحدّ و هو مذموم جدّا و تفريطها بالعنت أو بالضعف عن امتاع المنكوحة و هو أيضا مذموم، و إنّما المحمود أن تكون معتدلة و مطيعة للعقل و الشرع في انبساطها و انقباضها و مهما أفرطت فكسرها بالجوع و بالنكاح قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «معاشر الشباب عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنّ الصوم له و جاء» [١].
(بيان ما على المريد في ترك التزويج و فعله)
اعلم أنّ المريد في ابتداء أمره لا ينبغي أن يشغل نفسه بالتزويج، فإنّ ذلك شغل شاغل يمنعه عن السلوك و يستجرّه إلى الانس بالزّوجة و من أنس بغير اللّه شغل عن اللّه، و لا يغرّنّه كثرة نكاح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإنّه كان لا يشغل قلبه جميع ما في الدّنيا عن اللّه تعالى فلا يقاس الملائكة بالحدّادين و كيف يقاس غير رسول اللّه به و كان استغراقه بحبّ اللّه بحيث كان يخاف احتراقه فيه إلى حدّ كان يخشى في بعض الأحوال أن يسري ذلك إلى قالبه فيهدمه، فلذلك كان يضرب بيده على فخذ عائشة أحيانا و يقول: «كلّميني يا عائشة»[١]تشغله بكلامها عن عظيم ما هو فيه لقصور طاقة قالبه عنه و قد كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم طبعه الانس باللّه، و كان انسه بالخلق عارضا رفقا ببدنه، ثمّ كان لا يطيق الصبر مع الخلق إذا جالسهم فإذا ضاق صدره قال: «أرحنا يا بلال» [٢] حتّى يعود إلى ما هو قرّة عينه فالضعيف إذا لاحظ أحواله في مثل هذا فهو مغرور لأنّ الأفهام تقصر عن الوقوف على أسرار أفعاله، فشرط المريد
[١] قال العراقي: لم أجد له أصلا. أقول: المعروف هكذا «كلميني يا حميراء» و قال المولى على القاري: قال المزي: كل حديث فيه يا حميراء فهو موضوع. الموضوعات الكبير ص ١٤٣.
[١] أخرجه مسلم و البخاري ج ٧ ص ٣ و ابن ماجه و أبو داود من حديث ابن عباس.
[٢] تقدم في المجلد الأول ص ٣٧٧.
المحجة