المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٢
فأمّا العلوم العقليّة فتنقسم إلى دنيويّة و اخرويّة فالدّنيويّة كعلم الطّبّ و الحساب و الهندسة و النّجوم و سائر الحرف و الصناعات، و الأخرويّة كعلم أحوال القلب و آفات الأعمال، و العلم باللّه تعالى و صفاته و أفعاله كما فصّلناه في كتاب العلم و هما علمان متنافيان أعني من صرف عنايته إلى أحدهما حتّى يتعمّق فيه قصرت بصيرته عن الآخر على الأكثر، و لذلك ضرب عليّ عليه السّلام للدّنيا و الآخرة بثلاثة أمثلة فقال: «هما ككفّتي الميزان، و كالمشرق و المغرب، و كالضرّتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى»[١]و لذلك ترى الأكياس في أمور الدّنيا و في علم الطبّ و الهندسة و الحساب و الفلسفة جهّالا في أمور الآخرة، و الأكياس في دقائق علوم الآخرة جهّالا في الأكثر بعلوم الدّنيا، لأنّ قوّة العقل لا تفي بالأمرين جميعا في الغالب فيكون أحدهما مانعا من الكمال في الثاني، و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أكثر أهل الجنّة البله» [١] أي البليد في أمور الدّنيا.
و قال بعض السّلف: أدركنا أقواما لو رأيتموهم لقلتم مجانين، و لو رأوكم لقالوا: شياطين. فمهما سمعت أمرا غريبا من أمور الدّين جحده أهل الكياسة في سائر العلوم فلا ينفرنّك جحودهم عن قبوله، إذ من المحال أن يظفر سالك طريق المشرق بما يوجد في المغرب، فكذلك يجري أمر الدّنيا و الآخرة و لذلك قال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَ رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها [٢] و قال تعالى: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ [٣] و قال تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا. ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [٤] فالجمع بين كمال الاستبصار في مصالح الدّنيا و الدّين لا يكاد يتيسّر
[١] في النهج أبواب الحكم تحت رقم ١٠٣ «ان الدنيا و الآخرة عدوان متفاوتان و سبيلان مختلفان: فمن أحب الدنيا و تولاها أبغض الآخرة و عاداها، و هما بمنزلة المشرق و المغرب و ماش بينهما، كلما قرب من واحد بعد من الاخر و هما ضرتان.
[١] أخرجه البزار عن أنس بسند ضعيف كما في الجامع الصغير».
[٢] يونس: ٧.
[٣] الروم: ٧.
[٤] النجم: ٢٩ و ٣٠.
المحجة