المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٣
يدعو الناس إليها، و كانت الجيفة مثال الدّنيا، و هذا يجري مجرى مشاهدة صورته الحقيقيّة فإنّ القلب لا بدّ و أن يظهر فيه حقيقة من الوجه الّذي يقابل عالم الملكوت و عند ذلك يشرق أثره على وجهه الّذي يقابل عالم الملك و الشهادة، لأنّ أحدهما متّصل بالآخر، و قد بيّنا أنّ القلب له وجهان وجه إلى عالم الغيب و هو مدخل الإلهام و الوحي و وجه إلى عالم الشهادة، فالّذي يظهر منه في الوجه الّذي يلي جانب عالم الشهادة لا يكون إلّا صورة متخيّلة لأنّ عالم الشهادة كلّها متخيّلات إلّا أنّ الخيال تارة يحصل من النظر إلى ظاهر عالم الشهادة بالحسّ فيجوز أن لا تكون الصورة على وفق المعنى حتّى يرى شخص جميل الصورة و هو خبيث الباطن قبيح السرّ لأنّ عالم الشهادة عالم كثير التلبيس، أمّا الصورة الّتي تحصل في الخيال من إشراق عالم الملكوت على باطن سرّ القلب فلا يكون إلّا محاكية للصفة و موافقة لها، لأنّ الصّورة في عالم الملكوت تابعة للصفة فلا جرم لا يرى المعنى القبيح إلّا بصورة قبيحة فيرى الشيطان في صورة كلب و ضفدع و خنزير و غيره، و يرى الملك في صورة جميلة فتكون تلك الصّورة عنوان المعاني و محاكية لها بالصدق، و لذلك يدلّ القرد و الخنزير في النّوم على إنسان خبيث، و يدلّ الشاة على إنسان سليم الجانب و هكذا جميع أبواب الرّؤيا و التعبير، و هذا له أسرار عجيبة و هي من عجائب علوم القلب، و لا يليق ذكرها بعلم المعاملة و إنّما المقصود أن يصدّق بأنّ الشيطان ينكشف لأرباب القلوب و كذا الملك تارة بطريق التمثّل و المحاكاة كما في النّوم، و تارة بطريق الحقيقة، و الأكثر هو التمثّل بصورة محاكية للمعنى هي مثال المعنى لا عين المعنى إلّا أنّه يشاهد بالعين مشاهدة محقّقة، و ينفرد بمشاهدته المكاشف دون من حواليه كالنائم.
(بيان ما يؤاخذ العبد به) (من وساوس القلوب و همها و خواطرها و قصدها و ما يعفى عنه و لا يؤاخذ به)
اعلم أنّ هذا أمر غامض و قد ورد فيه آيات و أخبار متعارضة يلتبس طريق الجمع بينها إلّا على سماسرة العلماء بالشرع فقد روي عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال:
المحجة