المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠١
و الرابعة أن يكون مع وقوع نشوئه على الرّأي الفاسد و تربيته على العمل به يرى الفضيلة في كثرة الشرّ و استهلاك النّفوس و يباهي به، و يظنّ أنّ ذلك يرفع من قدره و هذا هو أصعب المراتب و في مثله قيل: و من العناء رياضة الهرم و من التعذيب تهذيب الذّئب.
و الأوّل من هؤلاء جاهل فقط، و الثاني جاهل و ضالّ، و الثالث جاهل و ضال و فاسق، و الرّابع جاهل و ضالّ و فاسق و شرير و أمّا الخيال الآخر الّذي استدلّوا به و هو أنّ الآدميّ ما دام حيّا فلا ينقلع عنه الغضب و الشهوة و حبّ الدّنيا و سائر هذه الأخلاق. فهذا غلط وقع لطائفة ظنّوا أنّ المقصود من المجاهدة قمع هذه الصفات بالكلّيّة و محوها و هيهات فإنّ الشهوة خلقت لفائدة و هي ضرورية في الجبلّة لو انقطعت شهوة الطعام لهلك الإنسان و لو انقطعت شهوة الوقاع لانقطع النّسل و لو انعدم الغضب بالكلّية لم يدفع الإنسان عن نفسه ما يهلكه و لهلك، و مهما بقي أصل الشهوة فيبقى لا محالة حبّ المال الّذي يوصل إلى الشهوة حتّى يحمل ذلك على إمساك المال، و ليس المطلوب إماطة ذلك بالكلّيّة بل المطلوب ردّها إلى الاعتدال الّذي هو وسط بين الإفراط و التفريط، فالمطلوب في صفة الغضب حسن الحميّة و ذلك بأن يخلو عن التهوّر و عن الجبن جميعا و بالجملة أن يكون في نفسه قويّا و مع قوّته منقادا للعقل، و لذلك قال اللّه تعالى: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [١] وصفهم بالشدّة و إنّما تصدر الشدّة عن الغضب و لو بطل الغضب لامتنع جهاد الكفّار و كيف يقصد قلع الغضب و الشهوة بالكلّية و الأنبياء عليهم السلام لم ينفكّوا عن ذلك، قال سيّدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر» [٢] و كان يتكلّم بين يديه بما يكرهه فيغضب حتّى تحمرّ وجنتاه و لكن لا يقول إلّا حقّا [٣] فكان الغضب لا يخرجه عن الحقّ، قال اللّه تعالى:
[١] الفتح: ٢٩.
[٢] أخرجه مسلم ج ٨ ص ٢٧ من حديث أنس.
[٣] تقدم في المجلد الرابع أبواب أخلاق النبي صلّى اللّه عليه و آله ما يدل على ذلك.
المحجة