المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤٠
فالغرض الواحد لا يجمع بين متباعدين بل متناسبين فلذلك يكثر الحسد بينهم، نعم من اشتدّ حرصه و أحبّ الصيت في جميع أطراف العالم بما هو فيه فإنّه يحسد كلّ من هو في العالم- و إن بعد- ممّن يساهمه في الخصلة الّتي تتفاخر بها و منشأ جميع ذلك حبّ الدّنيا فإنّ الدّنيا هي الّتي تضيق على المتزاحمين، أمّا الآخرة فلا ضيق فيها، و إنّما مثال الآخرة نعمة العلم، فلا جرم من يحبّ معرفة اللّه تعالى و معرفة صفاته و ملائكته و أنبيائه و ملكوت أرضه و سمائه لم يحسد غيره إذا عرف ذلك أيضا لأنّ المعرفة لا تضيق عن العارفين بل المعلوم الواحد يعرفه ألف ألف عالم و يفرح بمعرفته و يلتذّ به و لا تنقص لذّة واحد بسبب غيره بل تحصل بكثرة العارفين زيادة الانس و ثمرة الإفادة و الاستفادة فلذلك لا يكون بين علماء الدّين محاسدة لأنّ مقصدهم معرفة اللّه تعالى و هو بحر واسع لا ضيق فيه و غرضهم المنزلة عند اللّه سبحانه و لا ضيق أيضا فيما عند اللّه تعالى لأنّ أجلّ ما عند اللّه سبحانه من النعيم لذّة لقائه و ليس فيها ممانعة و لا مزاحمة و لا يضيق بعض الناظرين على بعض بل يزيد الانس بكثرتهم.
نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال و الجاه تحاسدوا لأنّ المال هو أعيان و أجسام إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد آخرين و معنى الجاه ملك القلوب، و مهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر أو نقص عنه لا- محالة فيكون ذلك سببا للمحاسدة، و إذا امتلأ قلب بالفرح بمعرفة اللّه تعالى لم يمنع ذلك أن يمتلي قلب غيره به و أن يفرح به، فالفرق بين العلم و المال أنّ المال لا يحلّ في يد ما لم يرتحل عن اليد الأخرى و العلم في قلب العالم مستقرّ و يحلّ في قلب غيره بتعليمه من غير أن يرتحل عن قلبه، و إنّ المال أعيان و أجسام و لها نهاية فلو ملك الإنسان جميع ما في الأرض لم يبق بعده مال ليتملّكه غيره و العلم لا نهاية له و لا يتصوّر استيعابه، فمن عوّد نفسه الفكر في جلال اللّه و عظمته و ملكوت أرضه و سمائه صار ذلك عنده ألذّ من كلّ نعيم و لم يكن ممنوعا عنه و لا مزاحما فيه فلا يكون في قلبه حسد لأحد من الخلق لأنّ غيره أيضا لو عرف
المحجة