المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٤٦
بستر اللّه»[١]و ذلك لأنّ إظهار الفاحشة فاحشة أخرى فللرجل أن يحفظ دمه و ماله الّذي يؤخذ ظلما و عرضه بلسانه و إن كان كاذبا، و أمّا عرض غيره فبأن يسأل عن سرّ أخيه فله أن ينكره و أن يصلح بين اثنين و أن يصلح بين الضرّات من نسائه بأن يظهر لكلّ واحدة أنّها أحبّ إليه، و كانت امرأته لا تطاوعه إلّا بوعد لا يقدر عليه فيعدها في الحال تطييبا لقلبها، أو يعتذر إلى إنسان بالكذب و كان لا يطيب قلبه إلّا بإنكار ذنب و زيارة تودّد فلا بأس به و لكن الحدّ فيه أنّ الكذب محذور و لكن لو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر و يزن بالميزان القسط، فإذا علم أنّ المحذور الّذي يحصل بالصدق أشدّ وقعا في الشرع من الكذب فله الكذب و إن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق، و قد يتقابل الأمر ان بحيث يتردّد فيهما و عند ذلك الميل إلى الصدق أولى لأنّ الكذب يباح بضرورة أو حاجة مهمّة فإذا شكّ في كون الحاجة مهمّة فالأصل التحريم فيرجع إليه.
و لأجل غموض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الإنسان من الكذب ما أمكنه و كذلك مهما كانت الحاجة له فيستحبّ له أن يترك أغراضه و يهجر الكذب، فأمّا إذا تعلّق بغرض غيره فلا يجوز المسامحة بحقّ الغير و الإضرار به، و أكثر كذب الناس إنّما هو لحظوظ أنفسهم ثمّ هو لزيادات المال و الجاه و لأمور ليس فواتها محذورا حتّى أنّ المرأة لتحكي عن زوجها ما تتفاخر به و تكذب لأجل مراغمة الضرّات و ذلك حرام قالت أسماء: سمعت امرأة سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قالت: إنّ لي ضرّة و أنا أتكثّر من زوجي بما لم يفعل أضارّها بذلك فهل عليّ فيه شيء؟ فقال:
المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور»[٢].
[١] أخرجه الحاكم من حديث ابن عمر بلفظ «اجتنبوا هذا القاذورات التي نهى اللّه عنها فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر اللّه» و اسناده حسن.
[٢] أخرج نحوه أبو داود ج ٢ ص ٥٩٥، و أحمد ج ٦ ص ٣٤٥ و قال النوري معناه المتكثر بما ليس عنده بأن يظهر أن عنده ما ليس عنده و يتكثر بذلك عند الناس و يتزين بالباطل فهو مذموم، كما يذم من لبس ثوبي روز، و قال أبو عبيدة و غيره: الذي يلبس ثوبي زور هو الذي يلبس ثياب أهل الزهد و الورع و مقصوده أن يظهر للناس من التخشع و الزهد أكثر ما في قلبه فهذه ثياب زور و رياء. ا ه.
المحجة