المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١
سَبِيلًا [١] فهذا بيان العلم العقليّ.
أمّا العلوم الدّينيّة فهي المأخوذة بطريق التقليد من الأنبياء صلوات اللّه عليهم و ذلك يحصل بالتعلّم لكتاب اللّه تعالى و سنّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و فهم معانيهما بعد السّماع و به كمال صفة القلب و به سلامته عن الأدواء و الأمراض، فالعلوم العقليّة غير كافية في سلامة القلب، و إن كان محتاجا إليها كما أنّ العقل غير كاف في استدامة أسباب صحّة البدن بل يحتاج إلى معرفة خواصّ الأدوية و العقاقير بطريق التعلّم من الأطبّاء، إذ مجرّد العقل لا يهدي إليها و لكن لا يمكن فهمه بعد سماعه إلّا بالعقل فلا غنى بالعقل عن السّمع و لا بالسّمع عن العقل فالدّاعي إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلّيّة جاهل، و المكتفي بمجرّد العقل عن أنوار القرآن و السنّة مغرور، فإيّاك أن تكون من أحد الفريقين و كن جامعا بين الأصلين، فإنّ العلوم العقليّة كالأغذية و العلوم الشرعيّة كالأدوية و الشخص المريض يتضرّر بالغذاء مهما فاته الدّواء فكذلك أمراض القلب لا يمكن علاجها إلّا بأدوية مستفادة من الشريعة، و هي وظائف العبادات و الأعمال الّتي ركبها الأنبياء صلوات اللّه عليهم لإصلاح القلوب، فمن لا يداوي قلبه المريض بمعالجات العبادات الشرعيّة و اكتفى بالعلوم العقليّة استضرّ بها كما يستضرّ المريض بالغذاء و ظنّ من يظنّ أنّ العلوم العقليّة مناقضة للعلوم الشرعيّة، و أنّ الجمع بينهما أمر غير ممكن، هو ظنّ صادر عن عمى في عين البصيرة، نعوذ باللّه من ذلك، بل هذا القائل ربما يناقض عنده بعض العلوم الشرعيّة لبعض فيعجز عن الجمع بينهما فيظنّ أنّه ناقض في الدّين فيتحيّر بذلك و ينسلّ من الدّين انسلال الشعرة من العجين و إنّما ذلك لأنّ عجزه في نفسه خيل إليه نقصا في الدّين و هيهات، و إنّما مثاله مثال الأعمى الّذي دخل دارا فيعثر فيها بأواني الدّار فقال: ما بال هذه الأواني تركت على الطريق لم لا تردّ إلى مواضعها؟ فقيل له: تلك الأواني في مواضعها و إنّما أنت لست تهتدي إلى الطريق لعماك، و العجب منك أنّك لا تحيل عثرتك على عماك و إنّما تحيلها على تقصير غيرك فهذه نسبة العلوم الدّينيّة إلى العقليّة.
[١] الاسراء: ٧٢.
المحجة