المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٣٣
و قال القاسم مولى معاوية: أقبل أعرابيّ إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على قلوص له صعب فسلّم فجعل كلّما دنى إلى النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليسأله نفر به و جعل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يضحكون به ففعل ذلك ثلاث مرّات ثمّ و قصه فقتله، فقيل: يا رسول إنّ الأعرابيّ قد صرعه قلوصه فهلك، قال: نعم و أفواهكم ملأى من دمه» [١].
و أمّا إذا أدّى المزاح إلى إسقاط الوقار فقد قيل: من مزح استخفّ به. و قال بعضهم لابنه: يا بنيّ لا تمازح الشريف فيحقد عليك و لا تمازح الدّني فيجترئ عليك و قال آخر: إيّاكم و الممازحة فإنّها تورث الضغينة و تجرّ القبيحة تحدّثوا بالقرآن و تخالطوا به فإن ثقل عليكم فحديث حسن من أحاديث الرّجال. و قيل: أ تدرون لم سمّي المزاح مزاحا؟ قالوا: لا، قال: لأنّه أزاح صاحبه عن الحقّ، و يقال:
لكلّ شيء بذر و بذر العداوة المزاح، و يقال: المزاح مسلبة للبهاء و مقطعة للأصدقاء.
فإن قلت: فقد نقل المزاح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أصحابه فكيف ينهى عنه؟
فنقول: إن قدرت على ما قدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو أن تمزح و لا تقول إلّا حقّا و لا تؤذي قلبا و لا تفرط فيه و تقتصر عليه أحيانا و على الندور فلا حرج عليك فيه و لكن من الغلط العظيم أن يتّخذ الإنسان المزاح حرفته و يواظب عليه و يفرط ثمّ يتمسّك بفعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو خطأ إذ من الصّغائر ما يصير كبيرة بالإصرار و من المباحات ما يصير صغيرة بالإصرار، فلا ينبغي أن يغفل عن هذا نعم روى أبو هريرة أنّهم قالوا: «يا رسول اللّه إنّك تداعبنا فقال: إنّي و إن داعبتكم فلا أقول: إلّا حقّا» [٢] و قال عطاء: إنّ رجلا سأل ابن عباس فقال: أ كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يمزح؟
قال: نعم، فقال الرّجل: فما كان مزاحه؟ فقال ابن عباس: إنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كسى ذات يوم امرأة من نسائه ثوبا واسعا فقال لها: ألبسيه و اخلفي و أحمدي و جرى منه ذيلا كذيل العروس» [٣]. و روى أنس «أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان من إفكه الناس» [٤] و روي
[١] أخرجه ابن مبارك في الزهد و الرقائق كما في المغني.
[٢] أخرجه الترمذي ج ٨ ص ١٥٧ و حسنه.
[٣] قال العراقي: لم أقف عليه.
[٤] تقدم.
المحجة