المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠
بالعلوم الضّروريّة بل بالمكتسبة و لكن مثل عليّ عليه السّلام هو الّذي يقدر على التقرّب باستعمال العقل في اقتناص العلوم الّتي بها ينال القرب من اللّه تعالى، و القلب جار مجرى العين، و غريزة العقل فيه جارية مجرى قوّة البصر في العين و قوّة الأبصار لطيفة تفقد في الأعمى و توجد في البصير، و إن كان قد غمض العين أو جنّ عليه اللّيل، و العلم الحاصل فيه جار مجرى قوّة إدراك البصر، و رؤيته لأعيان الأشياء و تأخّر العلوم عن عين العقل في مدّة الصّبي إلى أوان التّمييز أو البلوغ يضاهي تأخّر الرّؤية عن البصر إلى أوان إشراق الشمس و فيضان نورها على المبصرات، و القلم الّذي يسطر اللّه به العلوم على صفحات القلوب يجري مجرى قرص الشمس، و إنّما لم يحصل العلم في قلب الصّبي قبل التمييز لأنّ لوح قلبه ما تهيّأ بعد لقبول نقش العلم، و القلم عبارة عن خلق من خلق اللّه تعالى جعله سببا لحصول نقش العلوم في قلوب البشر، قال اللّه تعالى: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [١] و قلم اللّه سبحانه لا يشبه قلم خلقه كما أنّ وصفه لا يشبه وصف خلقه، فليس قلمه من قصب و لا خشب كما أنّ ذاته ليست من جوهر و لا عرض، فالموازنة بين البصيرة الباطنة و البصر الظّاهر صحيحة من هذه الوجوه إلّا أنّه لا مناسبة بينهما في الشّرف فإنّ البصيرة الباطنة هي عين النّفس الّتي هي اللّطيفة المذكورة و هي كالفارس و البدن كالفرس و عمى الفارس أضرّ على الفارس من عمى الفرس، بل لا نسبة لأحد الضررين إلى الآخر، و لموازنة بصيرة الباطنة للبصر الظّاهر سمّاه اللّه تعالى باسمه، فقال:
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى [٢] سمّى إدراك الفؤاد رؤية و كذلك قوله تعالى: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [٣] و ما أراد بذلك الرّؤية الظاهرة فإنّ ذلك غير مخصوص بإبراهيم عليه السّلام حتّى يذكر في معرض الامتنان و لذلك سمّى ضدّ إدراكه عمى فقال تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [٤] و قال تعالى: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُ
[١] العلق: ٤ و ٥.
[٢] النجم: ١١.
[٣] الانعام: ٧٥.
[٤] الحج: ٤٦.
المحجة