المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٥
الإيمان فيدعوه إلى الخير فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشرّ فتقوّي الشهوة و تحسّن التمتّع و التنعّم، فينبعث العقل إلى خاطر الخير و يدفع في وجه الشهوة و يقبّح فعلها و ينسبها إلى الجهل، و يشبّهها بالبهيمة و السبع في تهجّمها على الشرّ و قلّة اكتراثها بالعواقب فتميل النفس إلى نصح العقل، فيحمل الشيطان حملة على العقل و يقوّي داعية الهوى و يقول: ما هذا التحرّج البارد و لم تمتنع عن هواك فتؤذّى نفسك و هل ترى أحدا من أهل عصرك يخالف هواه؟ أو يترك غرضه؟
أ فتترك ملاذّ الدّنيا لهم فيتمتّعون فيها؟ و تحجر على نفسك حتّى تبقى محروما شقيّا متعوبا يضحك عليك أهل الزّمان أ تريد أن يزيد منصبك على فلان و فلان و قد فعلوا مثل ما اشتهيت و لم يمتنعوا؟ أما ترى العالم الفلاني ليس يحترز عن فعل ذلك و لو كان ذلك شرّا لامتنع عنه، فتميل النفس إلى الشيطان و تنقلب إليه فيحمل الملك حملة على الشيطان فيقول: هل هلك إلّا من اتّبع لذّة الحال و نسي العاقبة؟
أ فتقنع بلذّة يسيرة و تترك لذّة الجنّة و نعيمها أبد الآباد؟ أم تستثقل ألم الصبر عن شهوتك و لا تستثقل ألم النّار؟ أ تغتر بغفلة الناس عن أنفسهم؟ و اتّباعهم هواهم، و مساعدتهم للشيطان؟ مع أنّ عذاب النّار لا يخفّف عنك بمعصية غيرك أ رأيت لو كنت في صيف و وقف الناس كلّهم في الشمس و كان لك بيت بارد أ كنت تساعد الناس، أم تطلب لنفسك الخلاص؟ فكيف تخالف الناس خوفا من حرّ الشمس و لا تخالفهم خوفا من حرّ النّار؟ فعند ذلك تميل النفس إلى قول الملك فلا يزال القلب يتردّد بين الجندين متجاذبا بين الحزبين إلى أن يغلب على القلب من هو أولى به، فإن كانت الصفات الّتي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية الّتي ذكرناها غلب الشيطان و مال القلب إلى جنسه من أحزاب الشياطين معرضا عن حزب اللّه تعالى و أوليائه و مساعدا لحزب الشيطان و أعدائه، و جرى على جوارحه بسابق القدر ما هو سبب بعده عن اللّه تعالى، و إن كان الغالب على القلب الصفات الملكيّة لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان و تحريضه إيّاه على العاجلة، و تهوينه أمر الآجلة [١] بل مال إلى حزب اللّه تعالى و ظهرت الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه «و قلب
[١] في الاحياء «أمر الآخرة».
المحجة