المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٨٠
و وعيده و جدّد إيمانه و يقينه خنس الشيطان و هرب، إذ لا يستطيع أن يقول: ليس النّار أشدّ من الصبر عن المعاصي و لا يمكنه أن يقول: المعصية لا تفضي إلى النّار، فإنّ إيمانه بكتاب اللّه يدفعه عن ذلك فينقطع وسواسه، و كذلك يوسوس إليه بالعجب في علمه و عمله و يقول له: أيّ عبد يعرف اللّه كما تعرفه و يعبده كما تعبده فما أعظم مكانك عند اللّه فيذكر العبد أنّ معرفته و قدرته و قلبه و أعضاءه الّتي بها علمه و عمله كلّ ذلك من خلق اللّه فمن أين يعجب به فيخنس الشيطان؟ إذ لا يمكنه أن يقول: ليس هذا من اللّه لأنّ المعرفة و الإيمان يدفعه فهذا نوع من الوسوسة ينقطع بالكلّيّة عن العارفين المستبصرين بنور الإيمان و المعرفة.
الصنف الثاني أن يكون وسواسه بتحريك الشهوة و تهييجها و هذا ينقسم إلى ما يعرف العبد يقينا أنّه معصية و إلى ما يظنّه بغالب الظنّ، فإن علم يقينا خنس الشيطان عن تهييج يؤثّر في التحريك و لم يخنس عن التهييج، و إن كان مظنونا بما يبقى مؤثّرا بحيث يحتاج إلى مجاهدة في دفعه فتكون الوسوسة موجودة و لكنّها مدفوعة غير غالبة.
الصنف الثالث أن يكون وسواسه بمجرّد الخواطر و تذكّر الأحوال الغايبة و التفكّر في الصّلاة في غير أمر الصّلاة مثلا فإذا أقبل على الذكر تصوّر أن يندفع ساعة و يعود و يندفع و يعود فيتعاقب الذّكر و الوسوسة و تصوّر أن يتساوقا جميعا حتّى يكون الفهم مشتملا على فهم معنى القراءة و على تلك الخواطر كأنّهما في موضعين من القلب و بعيد جدّا أن يندفع هذا الخنس بالكلّيّة بحيث لا يخطر، و لكنّه ليس محالا إذ قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من صلّى ركعتين لم يحدّث فيها نفسه بشيء من أمر الدّنيا غفر له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر» [١] فلو لا أنّه متصوّر لما ذكره إلّا أنّه لا يتصوّر ذلك إلّا في قلب استولى عليه الحبّ حتّى صار كالمستهتر، فإنّا قد نرى المستوعب القلب بعدوّ و تأذّى به قد يتفكّر بمقدار ركعتين و ركعات في مجادلة عدوّه بحيث لا يخطر بباله غيره، و كذلك المستغرق في الحبّ قد يتفكّر في محادثة محبوبه بقلبه
[١] أخرجه أحمد و قد مر في المجلد الأول ص ٣٤٩.
المحجة