المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١١
نزع الرّوح من البدن، و إن وجد من نفسه قوّة الصبر عليه لم يجد طبيبا حاذقا يعالجه، فإنّ الأطباء هم العلماء و المرض قد استولى عليهم و الطبيب المريض قلّما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الدّاء عضالا و المرض مزمنا و اندرس هذا العلم و أنكر بالكلّيّة طبّ القلوب و أنكر مرضها و أقبل الخلق على حبّ الدّنيا و على أعمال ظاهرها عبادات و باطنها عادات و مرايات، فهذه علامة أصل المرض.
فأمّا علامة عوده إلى الصحّة بعد المعالجة فهو أن ينظر في العلّة الّتي يعالجها فإن كان يعالج داء البخل و هو المهلك المبعد عن اللّه فإنّما علاجه ببذل المال و إنفاقه، و لكنّه قد يبذل المال إلى حدّ يصير به مبذّرا، فيكون التبذير أيضا داء، و يكون كمن يعالج البرودة بالحرارة حتّى تغلب الحرارة، فهو أيضا داء، بل المطلوب الاعتدال بين الحرارة و البرودة، فكذلك المطلوب الاعتدال بين التقتير و التبذير حتّى يكون على الوسط من ذلك و في غاية البعد عن الطرفين، فإن أردت أن تعرف الوسط فانظر إلى الفعل الّذي يوجبه الخلق المذموم، فإن كان أسهل عليك و ألذّ من الّذي يضادّه فالغالب عليك ذلك الخلق الموجب له، مثل أن يكون إمساكك المال و جمعه ألذّ عندك و أيسر عليك من بذله لمستحقّه فاعلم أنّ الغالب عليك خلق البخل فزد في المواظبة على البذل فان صار البذل على غير المستحقّ ألذّ عندك و أخفّ عليك من الإمساك بالحقّ فقد غلب عليك التبذير فارجع إلى المواظبة على الإمساك، و لا تزال تراقب نفسك و تستدلّ على خلقك بتيسّر الأفعال و تعسّرها حتّى تنقطع علاقة قلبك عن المال فلا تميل إلى بذله و لا إلى إمساكه بل يصير عندك كالماء فلا تطلب منه إلّا إمساكه لحاجة محتاج أو بذله لحاجة محتاج، و لا يترجّح عندك البذل على الإمساك و لا الإمساك على البذل، فكلّ قلب صار كذلك فقد أتى اللّه بقلب سليم عن هذا المقام خاصّة، و يجب أن يكون سليما عن سائر الأخلاق حتّى لا يكون له علاقة بشيء ممّا يتعلّق بالدّنيا حتّى ترتحل النفس عن الدّنيا منقطعة العلائق عنها غير ملتفتة إليها و لا متشوّقة إلى أسبابها فعند ذلك ترجع إلى ربّها رجوع النفس المطمئنّة راضية مرضية داخلة في زمرة عباد اللّه من
المحجة