المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٤٨
(بيان الحذر من الكذب بالمعاريض)
قد نقل عن السّلف أنّ في المعاريض لمندوحة عن الكذب، و عن ابن عبّاس و غيره «أمّا في المعاريض ما يغني الرّجل عن الكذب» و إنّما أرادوا من ذلك إذا اضطرّ الإنسان إلى الكذب فأمّا إذا لم تكن حاجة و ضرورة فلا يجوز التعريض و لا التصريح جميعا و لكنّ التعريض أهون.
و مثال المعاريض ما روي أنّ مطرفا دخل على زياد فاستبطأه فتعلّل بمرض فقال: ما رفعت جنبي منذ فارقت الأمير إلّا رفعني اللّه.
و قال إبراهيم: إذا بلغ الرّجل عنك شيء فكرهت أن تكذب فقل: إنّ اللّه ليعلم ما قلت من ذلك من شيء، فيكون قوله: «ما» حرف النفي عند المستمع و عنده للإبهام.
و كان النخعيّ لا يقول لابنته أشتري لك سكّرا بل يقول: أ رأيت لو اشتريت لك سكّرا فإنّه ربّما لا يتّفق.
و كان إبراهيم إذا طلبه في الدّار من يكرهه قال للجارية: قولي له: اطلبه في المسجد، و كان لا يقول ليس هاهنا لئلاّ يكون كاذبا.
و كان الشعبيّ إذا طلب في البيت و هو يكرهه فيخطّ دائرة و يقول للجارية:
ضعي الإصبع فيها و قولي ليس هاهنا.
و هذا كلّه في موضع الحاجة، و أمّا في غير موضع الحاجة فلا، لأنّ هذا تفهيم للكذب و إن لم يكن اللّفظ كذبا و هو مكروه على الجملة كما روى عن عبد اللّه بن عتبة قال: دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز فخرجت و عليّ ثوب فجعل الناس يقولون: هذا كساكه أمير المؤمنين فكنت أقول: جزى اللّه أمير المؤمنين خيرا، فقال لي أبي: يا بنيّ اتّق الكذب إيّاك و الكذب و ما أشبهه، فنهاه عن ذلك لأنّ فيه تقريرا لهم على ظنّ كاذب لأجل غرض المفاخرة و هو غرض باطل فلا فائدة فيه، نعم المعاريض تباح لغرض خفيف كتطييب قلب الغير بالمزاح كقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
المحجة