المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٩
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إذا ذكر اللّه خنس الشيطان» [١] و الخنوس هو السكوت فكأنّه يسكت. و قالت فرقة: لا ينعدم أصلها و لكن يجري في القلب و لا يكون لها أثر لأنّ القلب إذا صار مستوعبا بالذّكر صار محجوبا عن التأثّر بالوسوسة كالمشغول بهمّة فإنّه قد يكلّم فلا يفهم و إن كان الصّوت يمرّ على سمعه، و قال فرقة: لا تسقط الوسوسة و لا أثرها أيضا و لكن يسقط غلبتها للقلب و كأنّه يوسوس من بعد و على ضعف، و قالت فرقة: ينعدم عند الذّكر في لحظة و ينعدم الذّكر بها في لحظة و يتعاقبان في أزمنة متقاربة: فظنّ لتقاربها أنّها متساوقة، و هو كالكرة الّتي عليها نقط متفرّقة فإنّها إذا أديرت بسرعة رأيت النقط دوائر لسرعة تواصلها بالحركة، و استدلّ هؤلاء بأنّ الخنس قد ورد و نحن نشاهد الوسوسة مع الذكر و لا وجه له إلّا هذا، و قالت فرقة:
إنّ الوسوسة و الذّكر يتساوقان في القلب على الدّوام تساوقا لا ينقطع، و كما أنّ الإنسان قديرى في حالة واحدة بعينه شيئين فكذلك القلب قد يكون مجرى لشيئين و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما من عبد إلّا و له أربعة أعين عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه و عينان في قلبه يبصر بهما أمر دينه»[١]و إلى هذا ذهب المحاسبيّ.
و الصحيح عندنا في هذا أنّ كلّ هذه المذاهب صحيحة و لكن كلّها قاصرة عن الإحاطة بأصناف الوساوس و إنّما نظر كلّ واحد من الفرق إلى صنف واحد من الوسواس فأخبر عنه، و الوسواس ثلاثة أصناف الأوّل أن يكون من جهة التلبيس للحقّ فإنّ الشيطان قد يلبّس الحقّ فيقول للانسان: لا تترك التنعّم و اللّذات فإنّ العمر طويل و الصبر عن الشهوات طول العمر ألمه عظيم، فعند هذا إذا ذكر العبد عظيم حقّ اللّه تعالى و عظيم ثوابه و عقابه و قال: الصبر عن الشهوات شديد و لكنّ الصبر على النّار أشدّ منه و لا بدّ من أحدهما، فإذا ذكر العبد وعد اللّه
[١] قال العراقي: أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ بلفظ «الآخرة» مكان «دينه» و فيه الحسين بن أحمد بن محمد الهروي السماخى الحافظ كذبه الحاكم و الافة منه.
[١] هذا جزء من الخبر الذي مر ص ٥١ «ان الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم».
المحجة