المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٦
أحدهما جسم لطيف منبعه تجويف القلب الجسماني و ينتشر بواسطة العروق الضّوارب إلى سائر أجزاء البدن، و جريانها في البدن و فيضان أنوار الحياة و الحسّ و السمع و البصر و الشمّ منها على أعضائها يضاهي فيضان النور من السراج الّذي يدار في زوايا الدّار فإنّه لا ينتهي إلى جزء من البيت إلّا و يستنير به، فالحياة مثالها النور الحاصل في الحيطان، و الرّوح مثالها السراج و سريان الرّوح و حركتها في الباطن مثاله مثال حركة السراج في جوانب البيت بتحريك محرّكه، و الأطبّاء إذا أطلقوا اسم الرّوح أرادوا به هذا المعنى و هو بخار لطيف أنضجته حرارة القلب، و ليس غرضنا شرحه إذ المتعلّق به غرض أطبّاء الّذين يعالجون مرض الأبدان، فأمّا غرض أطبّاء الدّين المعالجين للقلوب حتّى تنساق إلى جوار ربّ العالمين، فليس يتعلّق بشرح هذا الرّوح أصلا، و المعنى الثاني هو اللّطيفة الربّانيّة العالمة المدركة من الإنسان و هو الّذي شرحناه في أحد معنيي القلب و هو الّذي أراده اللّه تعالى بقوله:
وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [١] و هو أمر عجيب ربّانيّ يعجز أكثر العقول و الأفهام عن درك كنه حقيقته.
اللفظ الثالث النّفس
و هذا أيضا مشترك بين معان، و يتعلّق بغرضنا منه معنيان أحدهما أنّه يراد به المعنى الجامع لقوّة الغضب و الشهوة في الإنسان على ما سيأتي بيانه، و هذا الاستعمال هو الغالب على الصّوفيّة لأنّهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصّفات المذمومة من الإنسان فيقولون: لا بدّ من مجاهدة النفس و كسرها و إليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أعدى عدوّك نفسك الّتي بين جنبيك [٢]» المعنى الثاني هو اللّطيفة الّتي ذكرناها الّتي هي الإنسان في الحقيقة، و هي نفس الإنسان و ذاته و لكنّها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها فإذا سكنت
[١] الاسراء: ٨٥.
[٢] أخرجه البيهقي في الزهد كما في كنوز الحقائق للمناوى. و رواه قاضى نعمان في دعائم الإسلام من طريق أهل البيت عليهم السلام بلفظ آخر كما في مستدرك الوسائل ج ٢ ص ٢٧٠.
المحجة