المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥١
كتاب ذم الدنيا
(١) و هو الكتاب السادس من ربع المهلكات من المحجّة البيضاء في تهذيب الإحياء بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للَّه الّذي عرّف أولياءه غوائل الدّنيا و آفاتها، و كشف لهم عن عيوبها و عوراتها، حتّى نظروا في شواهدها و آياتها، و وزنوا بحسناتها سيّئاتها، فعلموا أنّه يزيد منكرها على معروفها، و لا يفي مرجوّها بمخوفها، و لا يسلم طلوعها من كسوفها، و لكنّها في صورة امرأة مليحة تستميل الناس بجمالها، و لها أسرار سوء قبائح تهلك الرّاغبين في وصالها، ثمّ هي فرّارة عن طلّابها، شحيحة بإقبالها، و إذا أقبلت لا تؤمن من شرّها و وبالها، إن أحسنت ساعة أساءت سنة، و إن أساءت مرّة جعلتها سنّة، فدوائر إقبالها على التقارب دائرة، و تجارة بنيها خاسرة بائرة، و آفاتها على التوالي لصدور طلّابها راشقة، و مجاري أحوالها بذلّ طالبيها ناطقة، فكلّ متعزّز بها إلى الذّل مصيره، و كلّ متكثّر بها إلى التحسّر مسيره، شأنها الهرب من طالبها و الطلب لها ربها، من خدمها فاتته، و من أعرض عنها و أتته [١]، لا يخلو صفوها عن شوائب الكدورات، و لا ينفكّ سرورها عن المنغّصات، سلامتها تعقب السقم، و شبابها لا يسوق إلّا إلى الهرم، و نعيمها لا يثمر إلّا الحسرة و الندم، فهي خدّاعة مكّارة طيّارة فرّارة، لا تزال تتزيّن لطلّابها حتّى إذا صاروا من أحبابها كشرت لهم عن أنيابها [٢]، و شوّشت عليهم مناظم أسبابها، و كشفت لهم عن مكنون عجائبها فأذاقتهم قواتل سمّها، و رشقتهم بصوائب سهمها [٣]، فبينما أصحابها منها في سرور و إنعام إذ ولّت
[١] في المصباح و أتيته على الامر بمعنى وافقته.
[٢] كثر عن أسنانه أي أبداها و كشفها، و الانياب: الاضراس.
[٣] رشقه بالسهم: رماه، و بنظره: أحد النظر إليه. و بلسانه: طعن عليه.
المحجة البيضاء جلد٥ ٣٥٢ كتاب ذم الدنيا ..... ص : ٣٥١
المحجة