المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥
يصير قلبه إلى حالة يستوي فيها وجود كلّ شيء و عدمه، ثمّ يخلو بنفسه في زاوية مع الاقتصار على الفرائض و الرّواتب، و يجلس فارغ القلب مجموع الهمّ، و لا يفرّق فكره بقراءة قرآن و لا بالتأمّل في تفسيره و لا بكتب حديث و غيره بل يجتهد أن لا يخطر بباله شيء سوى ذكر اللّه تعالى، فلا يزال بعد جلوسه في الخلوة قائلا بلسانه:
«اللّه اللّه» على الدّوام مع حضور القلب إلى أن ينتهي إلى حالة يترك تحريك اللّسان و يرى كأنّ الكلمة جارية على اللّسان، ثمّ يصبر عليه إلى أن ينمحى أثره عن اللّسان و يصادف قلبه مواظبا على الذكر، ثمّ يواظب عليه إلى أن ينمحى عن القلب صورة اللّفظ و حروفه و هيئة الكلمة و يبقى معنى الكلمة مجرّدا في قلبه حاضرا فيه كأنّه لازم له لا يفارقه و له اختيار إلى أن ينتهي إلى هذا الحدّ و اختيار في استدامة هذه الحالة بدفع الوسواس و ليس له اختيار في استجلاب رحمة اللّه بل هو بما فعله قد تعرّض لنفحات الرّحمة فلا يبقى إلّا الانتظار لما يفتح اللّه له من رحمته الّتي فتحها على الأنبياء و الأولياء بهذا الطريق، و عند ذلك إذا صدقت إرادته و صفت همّته، و حسنت مواظبته، و لم تجاذبه شهواته، و لم يشغله حديث النفس بعلائق الدّنيا، فتلمع لوامع الحقّ في قلبه، و يكون في ابتدائه كالبرق الخاطف لا يثبت ثمّ يعود و قد يتأخّر و إن عاد فقد ثبت و قد يكون مختطفا، و إن ثبت فقد يطول ثباته، و قد لا يطول، و قد يتظاهر أمثاله على التلاحق، و قد يقتصر على فنّ واحد، و منازل أولياء اللّه فيه لا تحصى كما لا يحصى تفاوت خلقهم و خلقهم، و قد رجع هذا الطريق إلى تطهير محض من جانبك و تصفية و جلاء، ثمّ استعداد و انتظار فقطّ.
و أمّا النظار و ذوو الاعتبار فلم ينكروا وجود هذا الطريق و إمكانه، و إفضاءه إلى المقصد على الندور، فإنّه أكثر أحوال الأنبياء و الأولياء و لكن استوعروا هذا الطريق و استبطئوا ثمرته، و استبعدوا اجتماع شروطه، و زعموا أنّ محو العلائق إلى ذلك الحدّ كالمتعذّر و إن حصل في حاله فثباته أبعد منه إذا دنى وسواس و خاطر يشوّش القلب، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «قلب المؤمن أشدّ تقلبا من القدر في
المحجة