المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٦٠
حكي أنّ الرّشيد جمع أربعة أطبّاء هنديّا و روميّا و عراقيّا و سواديّا فقال:
ليصف كلّ واحد منكم الدّواء الّذي لاداء فيه، فقال الهندي: الدّواء الّذي لاداء فيه عندي الإهليلج الأسود، و قال الرّومي: هو حبّ الرّشاد الأبيض، و قال العراقيّ:
هو الماء الحارّ، و قال السوادي و كان أعلمهم: الإهليلج يعفص المعدة و هذا داء، و حبّ الرّشاد يزلق المعدة و هذا داء، و الماء الحارّ يرخي المعدة و هذا داء، قالوا: فما عندك؟
قال: الدّواء الّذي لا داء معه عندي أن لا تأكل طعاما حتى تشتهيه، و أن ترفع يدك عنه و أنت تشتهيه، فقالوا: صدقت.
و ذكر لبعض الفلاسفة من أطباء أهل الكتاب قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ثلث للطعام و ثلث للشراب و ثلث للنفس» [١] فتعجّب منه، و قال: ما سمعت كلاما في قلّة الأكل أحكم من هذا و إنّه لكلام حكيم.
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «البطنة أصل الدّاء و الحمية أصل الدّواء و عوّدوا كلّ بدن ما اعتاد» [٢] و أظن أنّ تعجّب الطبيب من هذا الخبر لا من ذلك.
و قال ابن سالم: من أكل خبز الحنطة بحتا بأدب لم يعتلّ إلّا علّة الموت، قيل له: و ما الأدب؟ قال: تأكل بعد الجوع و ترفع قبل الشبع.
و قال بعض أفاضل الأطباء في ذمّ الاستكثار من الأكل: إنّ أنفع ما أدخل الإنسان معدته الرّمّان، و إنّ أضرّ ما أدخل معدته المالح و لأن يقلّل من المالح خير له من أن يستكثر من الرّمّان.
و في الخبر المشهور «صوموا تصحّوا» ففي الصوم و الجوع و قلّة الأكل صحّة الأجسام من الأسقام و صحّة القلوب من سقم الطّغيان و البطر و غيرهما.
الفائدة التاسعة خفّة المئونة
فإنّ من تعوّد قلّة الأكل كفاه من المال قدر
[١] قال العراقي: لم أجد له أصلا. أقول: نقله صاحب مكارم الأخلاق في باب آداب المريض ص ٤١٩ من حديث موسى بن جعفر عليهما السلام.
[٢] أخرجه ابن السني و أبو نعيم في الطب عن أبي هريرة. بسند حسن. كما في الجامع الصغير.
المحجة البيضاء، جلد٥، ص: ١٦١
يسير، و الّذي تعوّد الشبع صار بطنه غريما ملازما له يأخذ بمخنقه كلّ يوم فيقول:
ما ذا تأكل اليوم فيحتاج إلى أن يدخل المداخل فيكتسب من الحرام فيعصي أو من الحلال فيذلّ و يتعب، و ربّما احتاج إلى أن يمدّ عين الطمع إلى الخلق و هو غاية الذّلّ، و المؤمن خفيف المئونة.
قال بعض الحكماء: إنّي لأقضي عامّة حوائجي بالترك فيكون ذلك أروح لنفسي.
و قال آخر: إذا أردت أن أستقرض من غيري لشهوة أو زيادة استقرضت من نفسي فتركت الزيادة فهو خير غريم لي.
و كان إبراهيم بن أدهم يسأل أصحابه عن الشيء من المأكول فيقال له: إنّه غال، فيقول: أرخصوه بالترك.
قال سهل: الأكول مذموم في ثلاث خصال: إن كان من أهل العبادة فيكسل، و إن كان مكتسبا فلا يسلم من الآفات، و إن كان ممّن يدخل عليه شيء فلا ينصف اللّه من نفسه، و بالجملة سبب هلاك الناس حرصهم على الدّنيا، و سبب حرصهم البطن و الفرج، و سبب شهوة الفرج شهوة البطن و في تقليل الأكل ما يحسم هذه الأبواب كلّها و هي أبواب النار، و في حسمها فتح أبواب الجنّة، كما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أديموا قرع باب الجنة بالجوع [١]» فمن قنع برغيف في كلّ يوم قنع في سائر الشهوات أيضا و صار حرّا و استغنى عن الناس و استراح من التعب و تخلّى لعبادة اللّه و تجارة الآخرة فيكون من الرّجال الّذين لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه، فإنّه لا تلهيهم لاستغنائهم عنها بالقناعة فأمّا المحتاج فتلهيه لا محالة.
الفائدة العاشرة أن يتمكّن به من الإيثار و التصدّق بما فضل من الأطعمة
على اليتامى و المساكين و يكون يوم القيامة في ظلّ صدقته كما جاء في الخبر [٢] فما يأكله فخزانته الكنيف و ما يتصدّق به فخزانته فضل اللّه فليس للعبد من ماله إلّا ما تصدّق
[١] تقدم سابقا.
[٢] أخرجه الحاكم في المستدرك ج ١ ص ٤١٦ من حديث عقبة بن عامر.
المحجة