المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥
منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامي و باشتراكها بين مسمّيات مختلفات، و نحن نشرح من معاني هذه الأسامي ما يتعلّق بغرضنا.
اللفظ الأوّل لفظ القلب
و هو يطلق لمعنيين أحدهما اللّحم الصنوبري الشكل، المودع في الجانب الأيسر من الصدر، و هو لحم مخصوص و في باطنه تجويف و في ذلك التجويف دم أسود و هو منبع الرّوح و معدنه و لسنا نقصد الآن شرح شكله و كيفيّته فلا يتعلّق به الأغراض الدّينيّة و إنّما يتعلّق بذلك غرض الأطبّاء، و هذا القلب موجود للبهائم بل هو موجود للميّت، و نحن إذا أطلقنا اسم القلب في هذا الكتاب لم نعن به ذلك، فإنّه قطعة لحم لا قدر لها و هو من عالم الملك و الشهادة إذ تدركه البهائم بحاسّة البصر فضلا عن الآدميّين، و المعنى الثاني هو لطيفة ربّانيّة روحانيّة لها بهذا القلب الجسماني تعلّق، و تلك اللّطيفة هي حقيقة الإنسان و هو المدرك العالم العارف من الإنسان و هو المخاطب و المعاتب و المطالب، و لها علاقة مع القلب الجسماني، و قد تحيّرت عقول أكثر الخلق في إدراك وجه علاقته، فإنّ تعلّقها به يضاهي تعلّق الأعراض بالأجسام، و الأوصاف بالموصوفات، أو تعلّق المستعمل للآلة بالآلة، أو تعلّق المتمكّن بالمكان، و شرح ذلك ممّا نتوقّاه لمعنيين أحدهما أنّه متعلّق بعلوم المكاشفة و ليس غرضنا في هذا الكتاب إلّا علوم المعاملة، و الثاني أنّ تحقيقه يستدعي إفشاء سرّ الرّوح و لم يتكلّم فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم [١] فليس لغيره أن يتكلّم فيه، و المقصود أنّا إذا أطلقنا القلب في هذا الكتاب أردنا به هذه اللّطيفة و غرضنا ذكر أوصافها و أحوالها لا ذكر حقيقتها في ذاتها، و علم المعاملة يفتقر إلى معرفة صفاتها و أحوالها و لا يفتقر إلى ذكر حقيقتها.
اللفظ الثاني الرّوح
و هو أيضا يطلق فيما يتعلّق بجنس غرضنا لمعنيين
[١] حديث أنه صلى اللّه عليه و آله لم يتكلم في الروح أخرجه ابن أبي شيبة و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن مجاهد، و أحمد و البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي و ابن حبان و ابن مردويه و أبو نعيم و البيهقي معا في الدلائل عن أبي مسعود- رضى اللّه عنه- راجع الدر المنثور للسيوطي ج ٤ ص ١٩٩.
المحجة