المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٠
إن انضاف إليها التربية و لا تصير تفّاحا أصلا و لا بالتربية فإذا صارت النواة متأثّرة بالاختيار حتّى تقبل بعض الأحوال دون بعض فكذلك الغضب و الشهوة لو أردنا قمعهما و قهرهما بالكلّية حتّى لا يبقى لهما أثر لم نقدر عليه أصلا و لو أردنا إسلاسهما و انقيادهما بالرّياضة و المجاهدة قدرنا عليه و قد أمرنا بذلك و صار ذلك سبب نجاتنا و وصولنا إلى اللّه تعالى، نعم الجبلاّت مختلفة فبعضها سريعة القبول و بعضها بطيئة القبول و لاختلافها سببان أحدهما قوّة الغريزة في أصل الجبلّة و امتداد مدّة الوجود فإنّ قوّة الشهوة و الغضب و التكبّر موجودة في الإنسان و لكن أصعبها أمرا و أعصاها على التغيير قوّة الشهوة فإنّها أقدم وجودا إذ الصبيّ في مبدأ الفطرة تخلق له الشهوة ثمّ بعد سبع سنين ربما يخلق له الغضب و بعد ذلك يخلق له قوّة التميز.
و السبب الثاني أنّ الخلق قد يتأكّد بكثرة العمل بمقتضاه و الطاعة له و باعتقاد كونه حسنا و مرضيّا و النّاس فيه على أربع مراتب:
الأولى هو الإنسان الغافل الّذي لا يميز بين الحقّ و الباطل و الجميل و القبيح بل بقي كما فطر عليه خاليا عن جميع الاعتقادات و لم تستتمّ شهوته أيضا باتّباع اللّذات فهذا سريع القبول للعلاج جدّا فلا يحتاج إلّا إلى معلّم مرشد و إلى باعث من نفسه يحمله على المجاهدة، فيحسن خلقه في أقرب زمان.
و الثانية أن يكون قد عرف قبح القبيح لكنّه لم يتعوّد العمل الصّالح بل زيّن له سوء عمله فتعاطاه انقيادا لشهواته و إعراضا عن صواب رأيه لاستيلاء الشهوة عليه و لكن علم تقصيره في عمله فأمره أصعب من الأوّل إذ قد تضاعفت الوظيفة عليه إذ عليه وظيفتان: الأولى قلع ما رسخ في نفسه من كثرة التعوّد للفساد و الأخرى أن يغرس في نفسه صفة التعوّد للصلاح و لكنّه بالجملة محلّ قابل للرّياضة إن انتهض لها بجدّ و تشمير و حزم.
و الثالثة أن يعتقد في الأخلاق القبيحة أنّها الواجبة المستحسنة و أنّها حق و جميل و تربّى على ذلك، فهذا يكاد تمتنع معالجته و لا يرجى صلاحه إلّا على الندور و ذلك لتضاعف أسباب الضّلال.
المحجة البيضاء جلد٥ ١٠١ (بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة) ..... ص : ٩٩
المحجة