المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٢
في لحمه و دمه و محيطة بالقلب من جوانبه، و لذلك قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدّم فضيّقوا مجاريه بالجوع» [١] و ذلك لأنّ الجوع يكسر الشّهوة و مجرى الشّيطان الشهوات و لأجل اكتناف الشهوات للقلب من جوانبه قال اللّه تعالى إخبارا عن إبليس: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ [٢] و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«إنّ الشيطان قعد لابن آدم بطرق فقعد له بطريق الإسلام فقال له: أ تسلم و تترك دينك و دين آبائك؟ فعصاه فأسلم، ثمّ قعد له بطريق الهجرة فقال: أ تهاجر و تدع أرضك و نساءك؟ فعصاه فهاجر، ثمّ قعد له بطريق الجهاد فقال: أ تجاهد و هو تلف النّفس و المال فتقاتل فتقتل فتنكح نساؤك و يقسم مالك؟ فعصاه فجاهد، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: فمن فعل ذلك فمات كان حقّا على اللّه أن يدخله الجنّة» [٣].
فقد ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم معنى الوسوسة و هي هذه الخواطر الّتي تخطر للمجاهد أنّه يقتل و تنكح نساؤه و غير ذلك ممّا يصرفه عن الجهاد و هذه الخواطر معلومة، فإذا الوسواس معلوم بالمشاهدة و كلّ خاطر فله سبب و يفتقر إلى اسم يعرفه، فاسم سببه الشيطان و لا يتصوّر أن ينفكّ عنه آدميّ و إنّما يختلفون بعصيانه و متابعته و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما من عبد إلّا و له شيطان» [٤] و قد اتّضح بهذا النوع من الاستبصار معنى الوسوسة و الإلهام و الملك و الشيطان و التوفيق و الخذلان فبعد هذا نظر من ينظر في ذات الشيطان و أنّه جسم لطيف أو ليس بجسم و إن كان جسما فكيف يدخل في بدن الإنسان ما هو جسم؟ فهذا الآن غير محتاج إليه في علم المعاملة بل مثال الباحث عن هذا كمثال من دخل في ثوبه حيّة و هو محتاج إلى دفع
[١] أخرجه الدارمي ج ٢ ص ٣٢٠ و أحمد في المسند ج ٣ ص ١٥٦ و ٢٨٥ و ٣٠٩ دون قوله «فضيقوا مجاريه بالجوع».
[٢] الأعراف: ١٦.
[٣] أخرجه النسائي ج ٦ ص ٢٢ و أحمد و الطبراني و ابن حبان و البيهقي في الشعب عن سبرة بن أبي فاكه كما في الدر المنثور ج ٣ ص ٧٣.
[٤] تقدم آنفا.
المحجة