المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٣٧
السبب الرّابع التعجّب
كما أخبر اللّه تعالى عن الأمم الماضية إذ قالوا: ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا [١] و قالوا: أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا [٢]، و قالوا: وَ لَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ [٣]، فتعجّبوا من أن يفوز برتبة الرّسالة و الوحي و القرب من اللّه بشر مثلهم فحسدوهم و أحبّوا زوال النبوّة عنهم جزعا أن يفضّل عليهم من هو مثلهم في الخلقة لا عن قصد تكبّر و طلب رئاسة و تقدّم عداوة و سبب آخر من ساير الأسباب و قالوا متعجّبين: أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [٤].
و قالوا: لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ [٥] فقال تعالى: أَ وَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ [٦].
السبب الخامس الخوف من فوت المقاصد
و ذلك يختصّ بمتزاحمين على مقصود واحد فإنّ كلّ واحد منهما يحسد صاحبه في كلّ نعمة تكون عونا له في الانفراد بمقصوده و من هذا الجنس تحاسد الضرّات في التزاحم على مقاصد الزّوجيّة، و تحاسد الإخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلب الأبوين للتوصّل به إلى مقاصد الكرامة و المال، و كذلك تحاسد التلميذين لاستاذ واحد في نيل المنزلة في قلب الأستاذ و تحاسد ندماء الملك و خواصّه في نيل المنزلة من قلبه للتوصّل به إلى الجاه و المال، و كذلك تحاسد الواعظين المتزاحمين على أهل بلدة واحدة إذا كان غرضهما نيل المال بالقبول عندهم، و كذلك تحاسد العالمين المتزاحمين على طائفة من المتفقّهين المحصورين إذ يطلب كلّ واحد منزلة في قلوبهم للتوصّل إلى أغراض لهم.
السبب السادس حبّ الرّئاسة و طلب الجاه
نفسه من غير توصّل به إلى مقصود، و ذلك كالرّجل الّذي يريد أن يكون عديم النظير في فنّ من الفنون إذا غلب عليه حبّ الثناء و استفزّه الفرح بما يمدح به من أنّه واحد الدّهر و فريد العصر في فنّه و أنّه لا نظير له، فإنّه لو سمع بنظير له في أقصى العالم لساءه ذلك
[١] يس: ١٥.
[٢] المؤمنون: ٤٧.
[٣] المؤمنون: ٣٤.
[٤] الاسراء: ٩٤.
[٥] الفرقان: ٢١.
[٦] الأعراف: ٦٩.
المحجة