المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠٧
تكلّفا حتّى يصير له ذلك بالعادة طبعا و لا علاج له إلّا ذلك، و كما أنّ طالب فقه النفس لا ييأس من نيل هذه الرّتبة بتعطيل ليلة و لا ينالها بتكرار ليلة، فكذلك طالب تزكية النفس و تكميلها و تحليتها بالأخلاق الحسنة لا ينالها بعبادة يوم و لا يحرمها بعصيان يوم، و هو معنى قولنا أنّ الكبيرة الواحدة لا يوجب الشّقاء المؤبّد، و لكن العطلة في يوم واحد تدعو إلى مثلها، ثمّ تتداعى قليلا حتّى يأنس القلب بالكسل و يهجر التحصيل رأسا فيفوته فضيلة الفقه، فكذلك صغائر المعاصي يجرّ بعضها إلى بعض حتّى يفوت أصل السعادة بهدم أصل الإيمان عند الخاتمة، و كما أنّ تكرار ليلة لا يحسّ تأثيره في تفقيه النفس بل يظهر فقه النفس شيئا فشيئا على التدريج مثل نموّ البدن و ارتفاع القامة، فكذلك الطاعة الواحدة لا يحسّ تأثيرها في تزكية النفس و تطهيرها في الحال و لكن لا ينبغي أن يستهان بقليل الطاعة فإنّ الجملة الكثيرة منها مؤثّرة، و إنّما اجتمعت الجملة من الآحاد فلكلّ واحد منها تأثير فما من طاعة إلّا و لها أثر و إن خفي فلها لا محالة ثواب لأنّ الثواب بإزاء الأثر و كذلك المعصية، و كم من فقيه يستهين بتعطيل يوم و ليلة و هكذا على التوالي يسوّف نفسه يوما فيوما إلى أن يخرج طبعه عن قبول الفقه، فكذا من يستهين بصغائر المعاصي و يسوّف نفسه بالتوبة على التوالي إلى أن يختطفه الموت بغتة أو تتراكم ظلمة الذّنوب على قلبه و تتعذّر عليه التوبة، إذ القليل يدعو إلى الكثير فيصير القلب مقيّدا بسلاسل الشهوات لا يمكن تخليصه من مخالبها، و هو المعنى بانسداد باب التوبة و هو المراد بقوله تعالى: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا الآية- [١] و لذلك قال عليّ عليه السّلام: «الإيمان يبدو في القلب لمظة بيضاء فكلّما ازداد الإيمان ازداد ذلك البياض، فإذا استكمل العبد الإيمان ابيضّ القلب كلّه، و إنّ النفاق يبدو في القلب نكتة سوداء كلّما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد فإذا استكمل النفاق اسودّ القلب كلّه» [٢].
[١] سورة يس: ٦.
[٢] أورد الشريف الرضي- رحمه اللّه- صدره في النهج باب مختار غريب كلامه عليه السّلام تحت رقم ٥ و اللمظة- بضم اللام و سكون الميم- مثل النكتة او نحوها من البياض
المحجة