المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٤
ذلك تارة عند المنام فينكشف فيه ما سيكون في المستقبل، و تمام ارتفاع الحجاب بالموت و به ينكشف الغطاء، و في اليقظة أيضا قد ينقشع الحجاب بلطف خفيّ من اللّه تعالى، فيلمع في القلب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم تارة كالبرق الخاطف، و أخرى على التوالي إلى حدّ ما، و دوامه في غاية الندور. فلم يفارق الإلهام الاكتساب في نفس العلم، و لا في محلّه، و لا في سببه، و لكن يفارقه من جهة زوال الحجاب و أنّ ذلك ليس باختيار العبد، و لم يفارق الوحي الإلهام في شيء من ذلك بل في مشاهدة الملك المفيد للعلم، فإنّ العلوم إنّما تحصل في قلوبنا بواسطة الملائكة و إليه الإشارة بقوله تعالى: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ [١].
فإذا عرفت هذا فاعلم أنّ ميل أهل المجاهدة إلى العلوم الالهاميّة دون التعليميّة، فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم و تحصيل ما صنّفه المصنّفون و البحث عن الأقاويل و الأدلّة المذكورة، بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدة بمحو الصفات المذمومة و قطع العلائق كلّها و الإقبال بكنه الهمّة على اللّه تعالى، فمهما حصل ذلك كان اللّه تعالى هو المتولّي لقلب عبده و المتكفّل بتنويره بأنوار العلم فإذا تولّى اللّه تعالى أمر القلب فاضت الرّحمة و أشرق النور في القلب، و انشرح الصدر و انكشف له سرّ الملكوت، و انقشع عن وجه القلب حجاب العزّة بلطف الرّحمة و تلألأت فيه حقائق الأمور الإلهيّة فليس على المريد إلّا الاستعداد بالتصفية المجرّدة و إحضار الهمّة مع الارادة الصادقة و التعطّش التامّ، و الترصّد بدوام الانتظار لما يفتحه اللّه من الرّحمة، فالأنبياء و الأولياء انكشفت لهم الأمور و فاض على صدورهم النور لا بالتعلّم و الدراسة للكتب بل بالزّهد في الدّنيا، و التبرّي عن علائقها، و تفريق القلب عن شواغلها، و الإقبال بكنه الهمّة على اللّه تعالى «فمن كان للَّه كان اللّه له» و زعموا أنّ الطريق في ذلك أوّلا أن يقطع علائق الدّنيا بالكلّية، فيفرغ قلبه عنها و يقطع همّه عن الأهل و المال و الولد و الوطن و عن العمل و الولاية و الجاه بل
[١] الشورى: ٥١.
المحجة